الأسبوع الماضي، كان أسبوعاً حافلاً بالسعادة المشوبة بالدموع والشجن على الحدود بين الكوريتين. فقد شهدت تلك الحدود، واحدة من جولات اللقاءات العائلية بين أبناء الأسرة الواحدة، الذين فرقتهم الحرب والحدود، وباتوا يعيشون الوحشة وآلام الفراق الدائم. فقد نظم الصليب الأحمر، واحدة من تلك اللقاءات الجماعية التي تجتمع من خلالها، شمل الأسرة الواحدة التي فرقتها الحرب إلى الأبد.
فحين قامت الحرب الكورية عام 1950، كان بعض أبناء الأسرة الواحدة موجودين في الشمال أو في الجنوب لسبب أو لآخر، لكنهم فوجئوا بترسيم الحدود الدائمة بين الكوريتين والمنطقة العازلة بينهما، فظل من في الشمال أو من في الجنوب حيث كان، وفرضت عليهم جميعاً فراقاً دائماً.
وخلال العقود الطويلة، رحل عن الدنيا من رحل من تلك الأسر، وجاءت للدنيا أجيال جديدة، بينما التواصل معدوم تقريباً. فالبريد بين الدولتين محظور، والعلاقات بينهما تتذبذب صعوداً وهبوطاً. لكن في اجتماع قمة بين رئيسي الدولتين في عام 2000، وافق الطرفان على السماح للأسر التي فرقتها الحدود، باللقاء، عبر إجراءات يتم الاتفاق عليها. ومنذ ذلك التاريخ، تنعقد تلك اللقاءات الأسرية التي تحتاج لإجراءات طويلة، وعمليات فحص واختيار مضنية.
لكن تلك اللقاءات تتوقف إذا ما توترت العلاقات بين الدولتين، وتعود من جديد مع تحسنها. لكن بسبب تلك الانقطاعات، يكون هناك بمجرد تحسن العلاقات، طابور طويل للغاية من طلبات اللقاء التي تتقدم بها الأسر.
وهي الطلبات التي يرحل عن الدنيا الكثير من المتقدمين بها قبل أن يأتي دورهم. وعادة ما يقع الاختيار على الأكبر سناً، على أساس أن لقاءهم هذا قد يكون الأخير الذي لا تسنح بعده لقاءات أخرى، وهو ما يعني، على الجانب الآخر، انتظاراً طويلاً من جانب الأصغر نسبياً. والإجراءات تتضمن فحصاً دقيقاً للطلبات قبل البت فيها، فلا يتم الاكتفاء بالطلب المقدم مثلاً، وإنما يخضع المتقدمون لمقابلات شخصية، وإلى فحص طبي، للتأكد من قدرتهم على السفر، فالرحلة عادة ما تكون طويلة وشاقة.
وحتى حين يحدث اللقاء، تكون هناك محظورات. فالأسر تلتقي بشكل جمعي في مكان واحد، مثل أحد الفنادق، وليس من حقهم ترك المكان. ولا تطول فترة اللقاء عن بضع ساعات، يكون عليهم بعدها تحمل آلام الوداع من جديد. ومطلوب من الأسر، تجنب الحديث عن الأوضاع في كوريا الشمالية، أو الدخول في تفاصيل قد تتطرق إلى السياسة فيها.
وكان آخر تلك اللقاءات الأسرية، هو ذلك الذي انعقد الأسبوع الماضي. وهو اللقاء الذي، حسب وكالات الأنباء، تقدمت أكثر من 65 ألف أسرة من كوريا الجنوبية، لتحظى به، فلم يتم اختيار سوى مئة فقط، يصطحبون بعض ذويهم، يصل عددهم الإجمالي إلى أربعمئة، بينما صار على الباقين الانتظار للقاءات مستقبلية.
وقد تم تحديد إجراءات اللقاء ومكانه.
أما المكان، فهو أحد المناطق الجبلية على الحدود في كوريا الشمالية. أما طبيعة اللقاء، فقد أعلن أنه تقرر أن يلتقي المجتمعون بذويهم ستة لقاءات على مدى يومين، مدة الواحد منها ساعتان.
وقد كان الغالب على الحاضرين كبر سنهم، وحملت الأنباء قصصاً مليئة بالشجن والدموع. فتلك امرأة في السبعينيات من عمرها، فرقتها الحرب عن زوجها بعد خمسة أشهر فقط من زواجها، فوضعت طفلها، وقامت بتربيته وحدها، وظلت على وفائها لزوجها الذي لم تره إلا الأسبوع الماضي، وقد جاوز الثمانين من عمره.
وقد فوجئ الزوج في اللقاء، بأن له أحفاداً في كوريا الجنوبية، لم يرهم في اللقاء، ولكن علم من ابنه الستيني، أنهم صاروا في العشرينيات من العمر.
وتلك قصة أخرى، لرجل في التسعين من عمره، هرب على ظهر مركب صغير إلى الشمال أثناء الحرب، معتقداً أنه سيعود لمسقط رأسه بعد انتهاء الحرب. لكن ذلك كان مستحيلاً، فظل طوال تلك السنوات يكتب رسائل لوالديه في الجنوب، يحتفظ بها لنفسه، لأن البريد محظور. وقد وقع الاختيار عليه للقاء أخته التي تصغره بعشرين عاماً، ولم يرها أو يعرف أي أخبار عنها طوال ستين عاماً كاملة.
وها هو رجل في التسعين، يلتقى ابنته التي تركها طفلة رضيعة، ثم لم يعرف عنها شيئاً، حتى رآها وهي في الرابعة والستين من عمرها.
وقد شهد العالم دموع الأسر تنهمر غزيرة، حين حانت لحظة الوداع إلى جوار الباصات التي ستقل الجنوبيين في طريقهم للعودة. فهؤلاء جميعاً، الذين التقوا لأول مرة منذ ستين عاماً، يعلمون جيداً أن ذلك اللقاء هو الأول، وسيكون الأخير على الأرجح. وهو شعور مؤلم بلا شك.
والحقيقة، أن ذلك اللقاء الذي هز المشاعر الإنسانية حول العالم، بما حمله من صور المعاناة الإنسانية، يمثل عبرة مهمة لمن يعتبر. فتلك هي مآسي الحروب التي يدفع ثمنها بنو البشر، والتي قد يعيشون ما ينتج عنها من مآسٍ في كل لحظة من حياتهم، وطوال ما تبقى لهم من العمر.