الموت يقترب

ت + ت - الحجم الطبيعي

دقيقتان بعد السادسة صباح الأحد 18 أكتوبر عندما سمعت صوت التليفون عالياً. أضعه في أقرب مكان لنومي. فهو صلتي بالدنيا.

الأستاذ جمال البقاء لله، صوت اللواء طبيب بهاء الدين زيدان. أكمل بلغة فيها إنسانية الطبيب وحزم ومسؤولية الضابط، قال إن الوفاة حدثت منذ دقيقة واحدة. ولا يزال أمامنا بعض الوقت قبل أن نتخذ ترتيبات الإبلاغ وإعلان الخبر.

من عادة اللواء بهاء زيدان أن يذهب لمكتبه في الخامسة صباحاً يومياً. وليس في هذا أية مبالغة من جانبي. ويبقى في المكتب حتى ينتهي من العمل الذي يريد القيام به. حتى لو استمر حتى الخامسة مساءً. وهو ـ لمن لا يعرف ـ الطبيب والضابط المسؤول عن المجمع الطبي في الجلاء بطريق صلاح سالم بالقرب من المطار. وفي المجمع نحو 13 مستشفى مختلفة ومتنوعة.

أغلق التليفون، وبدأت أنا في هذا الوقت المبكر في استرجاع رحلة عمرها أكثر من نصف قرن، هي عمر معرفتي بصديق العمر جمال الغيطانى. منذ أن التقينا في منتصف ستينيات القرن الماضي في رحاب نجيب محفوظ بمقهى ريش، حتى لحظة رحيله عن الدنيا.

بدأ نور النهار الأزرق الذي يطارد ظلام الليل يتسلل إليّ ومعه ذلك الحزن المقيم الذي لا نتبينه. لكنه يصيب النفس بضنى وإحساس بالأسى يتفوق حتى على الحزن بمعناه الذي نعيشه أمام لحظات قاسية من أعمارنا. هل قلت ملح؟ إن الأرض المالحة هي أكثر تعبير عن الفقد والفراق والعقم بالنسبة إلى من أتى من القرية مثلى.

يعيش الإنسان حياته والأيام تتدحرج. يوم يدفع يوماً. والليالي تمضى. ليلة تأتى بعد ليلة. لكن ثمة لحظات عبقرية في عمر الإنسان يكون لها ما قبلها ولها ما بعدها. أو فلنقل لحظات فاصلة. يتوقف الزمان عندها. ونعجز عن أن نستأذنه لنعود لمسيرة حياتنا، لأن التوقف قد يطول وقد يستمر وقد يأخذ أياماً وليالي وأسابيع، وربما شهوراً أو سنوات من أعمارنا.

فى فجر العاشر من أغسطس الماضي دخل جمال الغيطاني المستشفى. بالتحديد الثالثة فجراً. كانت قد وصلت به للمستشفى رفيقة عمره وشريكة دربه ماجدة الجندي، ولحق بها شقيقه اللواء مهندس إسماعيل الغيطاني. لتبدأ حكاية طويلة استمرت لأكثر من شهرين في المستشفى في حالة لا يمكن وصفها.

زرته كثيراً. وإن كنت متأكداً أنه لم يشعر بأي زيارة من هذه الزيارات. اليوم السابق على دخوله المستشفى كان يوم جمعة. ووصوله المستشفى كان يوم السبت قد أصبح مستقراً يعلن عن نفسه أو على الأقل عن مقدماته التي نعرفها من آذان الفجر. اليوم السابق جرى آخر اتصال تليفوني بيني وبينه. كان هو المتصل. سألني: هل ستذهب لعزاء نور الشريف؟.

قلت له: مؤكد. قال لي إنه يريد أن يحضر ونتقابل هناك. طلبت منه عدم الحضور. قلت له إن هذا العزاء أعلنت عنه وسائل الإعلام لأيام متصلة. وحددت الزمان والمكان. لذلك أعتقد بأن الأمر سيكون حالة من الزحام التي ربما أضرت به ضرراً بليغاً. وسببت له مفاجآت صحية لا يتوقعها هو ولا نتوقعها نحن.

لم أكن أدري أن الاتصال الذي تم سيصبح الاتصال الأخير.

طباعة Email