التدخل الروسي في سوريا هو الأول من نوعه منذ انتهاء الحرب الباردة في منطقة خارج ما كان يشغله الاتحاد السوفييتي السابق من مساحة، وهو أبرز المعالم التي تميز حقبة الرئيس الروسي بوتين. لهذا التدخل من غير شك تداعياته على المستويات العسكرية والسياسية وعلى قضايا الداخل الروسي. فمع أن روسيا تعلن بأن تدخلها يقتصر على الضربات الجوية..

إلا أن الحرب لها منطقها الخاص، فهي ستجد نفسها غير قادرة على إنهاء معاركها وإضعاف المخاطر التي تهدد حليفها، النظام السوري، دون أن يكون لها وجود قوي على الأرض، وهو ما يذكرنا بالحرب الأميركية في فيتنام، التي بدأت بضربات جوية وانتهت بانشغال القوات المسلحة الأميركية بمختلف صنوفها.

على مستوى الداخل الروسي، ليس من المتوقع أن يلقى الانشغال العسكري الروسي في الخارج تأييدا واسعا يعزز شعبية بوتين، خاصة أن الاقتصاد الروسي ليس في أحسن حالاته، فقد تقلص بمقدار 4.6 في المائة في النصف الثاني من هذا العام، وذلك بسبب الانخفاض الكبير في أسعار النفط والغاز، وتراجع الاقتصاد الصيني وتقلص استيراداته من الغاز الروسي..

وبسبب العقوبات التي فرضها الغرب على موسكو بسبب موقفها من القضية الأوكرانية، ناهيك عما لهذا الانشغال من مخاطر على حياة الأفراد المشاركين في العمليات القتالية. وإن كان هناك ثمة تأييد لبوتين، فإن هذا لا يتعدى شريحة القوميين الروس بدافع الحنين إلى حالة الدولة العظمى التي كانها الاتحاد السوفييتي.

على الجانب السياسي، خلق هذا التدخل وضعا فيه قدر كبير من التشنج بين روسيا والغرب، فهو استعراض للقوة العسكرية وتحد للغرب بشكل صريح، روسيا لم تكن بحاجة لضرب أهداف على الأرض باستخدام صواريخ كروز التي أطلقت من بحر قزوين..

فالطائرات أكثر دقة في الإصابة، خاصة مع انعدام المقاومة الأرضية. أما على الجانب العسكري فتبعات التدخل لم تظهر بعد، ومن السابق لأوانه التكهن بها، فليس كل من يدخل الشرق الأوسط يخرج منه بالسهولة التي دخلها.

القرار الروسي من غير شك قرار استراتيجي، يأتي في سياق سعي موسكو الحثيث للعب دور أكبر في التنافس مع الولايات المتحدة لحجز مساحة أوسع في أحقية صياغة القرارات في الساحة الدولية. فقد غيرت موسكو عقيدتها العسكرية ومنحت نفسها سلطة التدخل في صراعات خارجية في مناطق معينة دون الرجوع إلى مجلس الأمن الدولي.

وها هي تملأ الفراغ في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد تراجعا عسكريا وسياسيا للولايات المتحدة ولأوروبا، وهي على أية حال منطقة كانت ضمن اهتمامات الاتحاد السوفييتي السابق.

هذا التدخل، دون التنسيق مع التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، ليس في صالح الحرب على تنظيم «داعش»، وذلك لأن النجاح في الحرب يتطلب وجود رؤية واحدة وليس رؤيتين مختلفتين في قتال هذا التنظيم. ويأتي رفض الولايات المتحدة استقبال ..

وفد روسي رفيع المستوى برئاسة رئيس الوزراء ميدفيدف، للتحاور حول الوضع في سوريا بالتزامن مع تزويد المعارضة السورية بقذائف «تاو» المضادة للدروع، مؤشرا على حجم الخلاف بين الولايات المتحدة وروسيا حول القضية السورية، وهو خلاف مرشح للتصاعد. نقطة الاتفاق الوحيدة بينهما كما قال الرئيس الأميركي هي منع حدوث تصادم بين طائرات الطرفين التي تنفذ العمليات في الأجواء السورية.

المخاوف الأميركية والغربية عموما في تزايد من تنامي النفوذ الروسي في المنطقة على حساب النفوذ الغربي وبطريقة استحواذية. ومن المتوقع أن تتراجع العلاقات الأميركية الروسية إلى أدنى مستوى في حال طلب العراق من روسيا التدخل عسكريا ضد تنظيم «داعش».

فعلى الرغم من أن روسيا تراقب باهتمام كبير الوضع العراقي، فذلك يصب في سياق أهداف بوتين في إعادة هيبة روسيا، إلا أنها لن تمدد ساحة تدخلها إلى العراق إلا بعد أن تقوم بتقييم شامل عسكريا واقتصاديا وسياسيا لنتائج حملتها في سوريا، وتعيد قراءة الواقع الدولي، ومدى قدرتها على خوض مغامرة كهذه لدفع علاقاتها مع الولايات المتحدة إلى درجة خطيرة من التوتر.

فهناك ضغوط كبيرة من قيادات الحشد الشعبي، ذي النفوذ القوي على رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، للطلب رسميا من روسيا التدخل العسكري ضد «داعش» في العراق، مقابل ضغط أميركي كبير لعدم الأخذ بهذا الخيار لأنه يخل بقواعد اللعبة، ويعتبر خطا أحمر.

لم تتعرض العلاقات الأميركية الروسية إلى اختبار حقيقي منذ أزمة الصواريخ في كوبا كما تتعرض له الآن، فهناك تحد واضح لهيبة الولايات المتحدة الدولية قد يتجاوز المسرح السوري نحو المسرح العراقي. روسيا تأخذ الثغرات في السياسة الأميركية، التي باتت تفقد مصداقيتها أمام أصدقائها وحلفائها في المنطقة..

فالولايات المتحدة رغم أنها من صنع الواقع السياسي الحالي في العراق تجد نفسها غير مرغوب بوجودها في مسرحه، وليس من المتوقع أن تعمد إدارة الرئيس أوباما إلى تغيير سياستها، سيما لم يتبق الكثير من فترة رئاسته.