لفت انتباهي نهاية الأسبوع الماضي طرفة، نشرتها في شكل مقال، صحيفة الهافنغتون بوست الإلكترونية الأميركية، تزعم قيام الهيئات الطبية في الولايات الخمسين، بإلغاء تصريحها بممارسة الطب للمرشح الجمهوري بن كارسون، لئلا يتمكن، لو تراجع عن تقاعده من مزاولة مهنته كجراح، قائلة في بيان لها، إنه يستحيل عليها مع مواقفه «المجنونة» التي أعلنها كمرشح للرئاسة تسليمه أرواح المواطنين! والخبر طبعاً غير صحيح ومختلق من أساسه، فهو من أنواع السخرية المعروفة.

لكن الدعابة ذهبت لما هو أبعد من تلك الفكرة، فاختلقت على لسان كارسن، أنه «محبط للغاية» من موقف الهيئات الطبية، وأنه أنكر «بشكل قاطع أنني مجنون» ثم أضاف أن المرشحين الجمهوريين الآخرين، يتخذون مواقف «ليست أقل جنوناً»، سارداً بعضها.

ثم اتخذ المقال طابعاً جاداً، محذراً أن استطلاعاً للرأي، سأل أي المرشحين الجمهوريين «الأكثر جنوناً»، فاتضح أن بن كارسن يتنافس على المركز نفسه مع كل من دونالد ترامب وكارلي فيورينا وتيد كروز وماركو روبيو وجيب بوش... إلى آخر قائمة المرشحين الجمهوريين!، ورغم أن المقال الساخر قد اختلق القصة من أولها لآخرها، إلا أنه يجسد الواقع أفضل من تغطية الإعلام الأميركي.

فأنت لو تابعت مناظرة المرشحين الديمقراطيين للرئاسة عبر الإعلام الأميركي، فستنتهي إلى التفكير بالطريقة نفسها، أي ستعتبر أن ما يجري أمامك مجرد مباراة فيها خاسر وفائز. ونادراً ما ستجد عنواناً مثل «فلان موقفه» كذا من القضايا المهمة.

والخاسر والفائز تلك تكون في أغلبها تقديرات وآراء الإعلاميين أنفسهم، والتي يتأثر بها الناخبون، فتظهر لاحقاً في استطلاعات الرأي، وكأنها كانت هي آراء الناخبين فور إجراء المناظرة، ودون تأثير فيهم.

لكن الطريف هذه المرة، هو أنك إذا ما تابعت الإعلام الأميركي، فستنتهي بك الحال في الأغلب، وأنت لا تعرف بالضبط من الذي فاز ومن الذي خسر. فالكثير من وسائل الإعلام الأميركية، قالت إن هيلاري كلينتون هي الفائزة، بينما قالت أخرى، لها المصداقية نفسها، إن برني ساندرز هو الفائز.

ولو أنني اتبعت الذهنية نفسها في تحديد الفائز والخاسر، لقلت إن الفائز كان المذيع أندرسون كوبر، الذي نجح في انتزاع إجابات من الكل، دون أن يفلت أحدهم بالتهرب منها. وأن الخاسر الحقيقي، كان الحزب الجمهوري، الذي بدا عشية مناظرة الديمقراطيين، وكأنه يخاطب كوكباً آخر. فالجمهوريون منذ أسابيع، يحيون في فوضى هزلية، تعج بصراعات داخلية وتصريحات ما أنزل الله بها من سلطان.

فمنذ أعلن رئيس مجلس النواب، جون بينر، استقالته من منصبه منذ ما يقرب من الشهر، لم يتم انتخاب رئيس جديد، بل تم تأجيل موعد انتخابه دون تحديد موعد جديد. وما إن ترشح زعيم الأغلبية، كيفين ماكارثي، للمنصب، حتى أعلن تراجعه وانسحابه، فعمت الفوضى.

إذ لم يعد واضحاً من الذي سيتولى المنصب. فلا يوجد إجماع بين الأعضاء الجمهوريين، حتى كتابة السطور، على أحد الذين ترشحوا بالفعل، حتى إن بعضهم دعا النائب المعروف بول رايان، للتقدم لشغل المنصب.

لكن رايان، الذي كان نائباً لميت رومني كمرشح للرئاسة في عام 2012، يعرف أكثر من غيره، كم ستكون المهمة صعبة. فالفريق الصدامي الذي ساهم هو شخصياً في ضمه لعضوية المجلس، يشترط قبل إعلان دعمه لأي مرشح لرئاسة المجلس، أن يقبل ذلك المرشح بمطالبه، وهو ما يعني عملياً، أن يقبل ذلك المرشح بأن يكون رئيساً ضعيفاً للمجلس.

فعلى رأس المطالب، أن يتم دفع المجلس إلى لا مركزية شديدة، تسمح لفريق الصدام باتخاذ ما يحلو له من قرارات.

ثم إن رايان يرأس حالياً أقوى لجان مجلس النواب، وله طموحات تتعلق بمنصب الرئاسة، الأمر الذي يجعل من رئاسة مجلس النواب في تلك الأجواء، مخاطرة بمستقبله السياسي.

وقد جرت العادة على أن انتخابات مجلس النواب، يحسمها حزب الأغلبية لصالح أحد أعضائه، دون حاجة لأصوات حزب الأقلية أصلاً، لأن المجلس يعمل وفق قاعدة الأغلبية البسيطة. لكن الصراع الداخلي في الحزب الجمهوري، وصل لدرجة توقع بعض أعضائه، أن يحتاج الحزب لبعض أصوات الديمقراطيين لحسم النتيجة.

لكن تلك ليست وحدها أزمة الحزب الجمهوري، فأغلب مرشحيه للرئاسة، يتخذون مواقف تبدو في أقصى يمين الساحة السياسية، حتى بالنسبة للكثير من أنصار الحزب الجمهوري أنفسهم. وقد عبرت رموز يمينية بارزة، غير مرة، علناً، عن إحباطها الشديد لما آلت إليه أوضاع الحزب.

بعبارة أخرى، فإن مقال الهافنغتون بوست الساخر، يحكي في عبارات مريرة، قصة حزب سياسي، ظل طوال العقود الثلاثة الماضية، يستدعي الصدام والمواجهة مع الحزب الآخر، ويشحن جماهيره بأفكار تساعده على الفوز وسط قطاعات محددة، حتى انقلبت الآية تماماً، وانفجرت ذهنية الصدام في وجه تلك القيادات نفسها، حتى صارت تطالهم شخصياً. أما القطاعات التي راهنوا عليها، أي البيض المحافظين، فقد أوشكوا على أن يصبحوا أقلية في الولايات المتحدة!