للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل تعبير مجازي عميق الدلالة أطلقه قبيل ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 قال فيه "إن بحر السياسة في مصر جف" وذلك تعليقا على السياسات التي سادت حقبة الرئيس السابق حسني مبارك وكذلك تعليقا على الحملة التي كان قد أطلقها الدكتور محمد البرادعي في مستهل عودته لمصر بعد انتهاء عمله مديرا للوكالة الدولية للطاقة النووية، كاشفا عن رغبته في الترشح لانتخابات الرئاسة المصرية.
وجهة نظر هيكل كانت مبنية على أن السياسات الإقصائية للحزب الوطني الديمقراطي أدت إلى استبعاد فعاليات سياسية بارزة لدرجة أن البدائل المناسبة لم تعد موجودة وأن كل من يحاول القفز إلى بحر السياسة ستكسر رقبته لأن هذا البحر قد جفت مياهه بعد عملية التجريف التي تعرض لها على مدى ثلاثين عاما.
ولكن ما حدث بعد الخامس والعشرين من يناير كان عكس ذلك تماما حيث فاض بحر السياسة في البلاد بشكل مخيف وأغرق مدنها وقراها وربوعها وكفورها ونجوعها، وأصبحت السياسة والتطورات التي تمر بها البلاد هي حديث الصباح والمساء داخل المؤسسات والشركات والمصانع والجامعات والمدارس والأندية والمنازل والحافلات والقطارات، وكأن البشر في تلك الفترة قرروا أن يأكلوا ويشربوا ويتنفسوا من بحر السياسة، بوعي أو بدون وعي، بمعرفة أو بدون معرفة، وانتقل العمل بالسياسة إلى الشوارع جنبا إلى جنب مع المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات وأعمال العنف، وكانت بالفعل فترة في منتهى القسوة على المصريين تابعها العالم بدقة ويوما بيوم.

حتى كان يوم الثلاثين من يونيو2013 وخلع الإخوان المسلمين من الحكم في ثورة شعبية مهيبة وتوافق القوى الوطنية على خريطة طريق الثالث من يوليو، واقترن بذلك إعلاء شأن الأمن والأمان والاستقرار. وكأن المصريين قد وجدوا ضالتهم المنشودة في رئيسهم الجديد عبدالفتاح السيسي ليلقوا على كاهله الكثير من هموم هذا الوطن المثقل بأعباء تنوء بحملها الجبال.
وكأنهم أيضا أصيبوا بحالة إرهاق شديد- ومعهم كل الحق نتيجة هذه المراحل الانتقالية المضنية- وقد أصبحوا في حالة إنهاك نفسي من كثرة الانتخابات والاستفتاءات والتعديلات الدستورية والقانونية وتغيير السلطات التنفيذية ليعودوا إلى عادتهم الأولى عازفين عن السياسة قولا وفعلا إلى حد كبير. وأغلب الظن أن هذه الحقائق ألقت بظلالها على الانتخابات البرلمانية التي تعيشها مصر هذه الأيام.
وبرغم كل ما يمكن قوله عن هذه الانتخابات إلا أن أهميتها في النهاية تكمن في أنها تستكمل الضلع الثالث المهم من خريطة الطريق اثر عملية سياسية شاقة. فبعد إقرار الدستور وانتخاب رئيس البلاد جاء الدور على انتخاب مجلس النواب(البرلمان الجديد) لتستكمل الدولة بذلك مؤسساتها القانونية والتنفيذية والتشريعية، لتسود آمال عريضة في دخول مصر في مرحلة حقيقية من الاستقرار السياسي والاجتماعي. ذلك هو المنتظر والمأمول بعد هذه الخطوة المهمة، ولكن ما احتمالات تحقيق ذلك على أرض الواقع؟
الإجابة عن هذا السؤال يمكن استنتاجها بسهولة من خلال تأمل المشهد الراهن في ضوء الحقائق التي سبق سردها. فالمصريون بالفعل انهكوا نفسيا وسياسيا. وذلك في الغالب سيكون سببا جوهريا في عزوفهم عن المشاركة بفاعلية في العملية الانتخابية الجارية، وقد لا تتجاوز نسبة التصويت 20% من الناخبين المؤهلين، أضف إلى ذلك مسألة بحر السياسة المتقلب بعنف والذي جف في مرحلة وفاض في مرحلة أخرى إلا أنه في الوقت الراهن أصيب بحالة من الغموض التام.
فالأحزاب والتحالفات والقوى السياسية - المدنية على وجه الخصوص- لم تعد واضحة المعالم سواء في تكوينها أوتوجهاتها، وربما بات "حزب النور" السلفي الوحيد صاحب الهوية الواضحة بمرجعيته الدينية التي يسهل الطعن عليها. أما الأحزاب الأخرى فلا تستطيع أن تفرز من بينها قوى يمينية أو أخرى يسارية بسهولة. كذلك ليس هناك وضوح في تحديد الأغلبية وتمييزها عن المعارضة. وربما عكست أسماء التحالفات أو معظمها شيئا من الدهشة حيث تميزت بالرومانسية على حساب التوجهات السياسية مثل "في حب مصر، فرسان مصر، نداء مصر....".
أما النظام الانتخابي ذاته المشرذم بين القوائم والفردي فقد جاء غامضا غير مفهوم حتى لكثير من المتخصصين والنخبة، وأغلب الظن أنه واحد من أعقد وأغرب النظم الانتخابية على الصعيد العالمي خاصة في دولة يعاني نحو 40%من شعبها من الأمية، ويذهب الناخبون إلى الدوائر الانتخابية وصناديق الاقتراع وهم يجهلون تماما لمن سيمنحون أصواتهم وكيف، فربما سمعوا عن مرشحهم لأول مرة في حياتهم وهم أمام صندوق الاقتراع، ويشمل ذلك الناخبين في الداخل والخارج أيضا، فكيف لناخب مقيم في كاليفورنيا الأميركية على سبيل المثال أن يختار مرشحا في مدينة ديروط بأقصى صعيد مصر؟
يبقى القول إنه كان منتظرا من برلمان مصر المقبل أن يكون قويا من حيث التشكيل والفاعلية الرقابية والتشريعية وأن يثير حالة من الحراك السياسي الإيجابي تستحقه مصر بعد هذه السنوات المضنية من التحولات السياسية في سبيل معيشة أفضل ودولة مستقرة بكل ما في الكلمة من معنى، ولكن المحتمل قد يكون عكس ذلك تماما في ضوء معطيات كثيرة سبق عرضها، فالبرلمان المقبل سيكون في الغالب بلا ملامح واضحة ولا مبالغة في التعامل معه باعتباره برلمانا انتقاليا مكملا للمراحل الانتقالية التي مرت بها البلاد.
ليس هذا فحسب ولكن ليس من قبيل التشاؤم، ولكن بناءً على أسس واقعية التأكيد على أن البرلمان المقبل يحمل في داخله وحتى من قبل تشكيله النهائي عوامل حله، فهناك اعتبارات كثيرة يمكن بسببها الطعن على دستورية المجلس النيابي المقبل أبرزها وضوحا وجود حزب على أساس ديني في انتهاك صارخ للدستور، ما يجعل احتمالات حل المجلس عند أول منعطف كبيرة جدا، لتدخل مصر مجددا في دوامة جديدة من بحرها السياسي المتقلب.