قبل أن ينتصف أكتوبر الجاري، كان الإسرائيليون من جيش وشرطة ومستوطنين ومستعربين قد حصدوا بدم بارد؛ خارج أي قانون عادل أو فاجر، أرواح أكثر من عشرين يافعا فلسطينيا من الجنسين. نتحدث هنا بشكل خاص عن ضحايا تم توثيق اعداماتهم ميدانيا بالصوت والصورة، وثبت انهم لم يشكلوا أي خطر على أحد.

وفي هذا الإطار، تطرق ذاكرتنا ووجداننا بألم استثنائي وقائع الأطفال، الذين أطلقت عليهم النيران وتركوا ينزفون، فيما تحلق حولهم الجناة الإسرائيليون بأزيائهم العسكرية والمدنية، معبرين عن شهوة التشفي؛ موجهين للمصابين المستضعفين شتائم عنصرية مقذعة مستعجلين موتهم ».. مت، مت ياابن الـ..«.. وفي المشهد لم تتحرك لدى واحد من هؤلاء العتاة المتبلدين أية نزعة انسانية أو أخلاقية لإغاثة من لايملكون لهم ضرا.

جرت هذه الوقائع في أماكن متفرقة وأزمنة مختلفة، ومع ذلك فإن الإسرائيليين، القتلة منهم والشهود، اتخذوا حيالها سلوكا واحدا، ما يعني أن نذالة التعامل مع الفلسطينيين تمثل عيبا بنيويا لصيقا بثقافة الصهاينة المغتصبين أينما كانوا. انها ثقافة الكراهية والغل التي يرضعها هؤلاء مع حليب أمهاتهم، ويستزيدون منها عبر ما يتلقونه من وسائل التنشئة المسمومة..

هذه التصرفات الوحشية، تستدعي كل أنواع الغضب، وتكفي وحدها لوسم اسرائيل الدولة برعاية الإرهاب الأسود، والعمل على اصدار مذكرات ضبط واحضار بحق مسؤوليها، المحرضين على القتل الأعمى، أمام الجهات المعنية، وفي طليعتها المحكمة الجنائية الدولية.

ولنا في هذا المقام أن نذهب إلى أبعد من ذلك، وهو أنه لا أحقية للإسرائيليين، بكافة قطاعاتهم وبالمطلق، في ممارسة أية أعمال عنف دموي وغير دموي ضد الفلسطينيين، بما في ذلك المبادرون منهم إلى مهاجمة أية أهداف اسرائيلية، فالأصل أن الاحتلال من أشد أعمال العنف قسوة وقمعا وكسرا للكرامة الإنسانية واستباحة للأنفس والثمرات والأعراض والمقدسات، وأن المقاومة بكل الوسائل حق مشروع للشعوب الواقعة تحت الاحتلال. سياق المنطق السوي والتكييف الصحيح لتسلسل الأحداث يدين الإسرائيليين بالجريمة الأم، ألا وهي الاحتلال وما نشأ عنه من قضايا وتبعات. وفي اطار الغضبة الفلسطينية المتفاعلة، يقطع هذا السياق بأن حراس الدعوة الصهيونية والقائمين عليها على صعيدي الفكر والفعل، داخل اسرائيل وخارجها، هم الجناة الحقيقيون المسؤولون عن العنف المستشري والدماء المستباحة في الديار الفلسطينية.

لقد بح صوتنا مع كثير من المتابعين، ومنهم يهود أقحاح مستنيرون، ونحن نردد هذا التقدير. ولن نمل من اعادة التذكير بأن أصحاب هذه الدعوة وأنصارها، الأولين منهم والآخرين، هم الذين ساقوا بعض يهود العالم، إلى مصير غير مأمون، حين زينوا لهم الاستيلاء على أرض فلسطين بعد أن حاولوا تزييف سيرتها التاريخية وانتمائها الحضاري، وسخروا من صلابة أصحابها الأصليين، بل وأنكروا وجودهم.

مايجري الآن في فلسطين، يوافق تقريبا الذكرى السنوية المئوية للشروع في تطبيق هذه الدعوة المنحطة، فهل تحقق لهؤلاء ماتوقعوه؟. هل توقف سلسال الدم في فلسطين؟. أين مظاهر الأمن والاستقرار بالنسبة لمن استدرجتهم الصهيونية إلى »أرض اللبن والعسل«؟.

في نص موشى بالسخرية المريرة، ذكرت صحيفة هآرتس (12/10/2015) أن »عظمة الصهيونية هي في تحويل طموح اليهود للاستقلال إلى خطر وجودي عليهم. ما الذي حدث لهذا الشعب، كيف لمن أنتج فلاسفة مثل ماركس وفرويد واسبينوزا ومن على شاكلتهم، أن يفشل في تحليل الوضع الكارثي في غزة مثلا؟.. ألا يوجد من يقول له لماذا يتنازل أناس عن مستقبلهم وحريتهم وحياتهم ويستلون سكينا ويطعنون؟.. وبعد ذلك يزعمون أن الصهيونية أفادت اليهود !«.