شر البليّة ما يُضحِك، وَخيْر الضّحِك ما أبكى. ولكن من لا يُكمل نشوة ضحكَتِه حتى الدمعة الأخيرة في عينه، سيبقى مُتحسّراً متأسفاً، ولن يُشفي الضحك الكآبة إن لم نكمل فرحته. ويخشى هذا النوع من البشر أن يستبطن الضّحِك مصيبة مستترة تستيقظ بعد كل فرحة كالعفاريت. فسرعان ما يحبسون أدمعتهم السعيدة، ويُغطّون أفواههم الفاغرة، ويشيحون بوجوههم حتى تصل أسفل إبطهم خوفاً من الحسد المتربص المتأهب.
وكأن مسرّة القلب تُضعِف مناعتنا تجاه الحسّاد الحاضرين والغائبين، المعروفين والمجهولين، فنجد هؤلاء الضاحكين الخائفين، يكفهرّون بعد كل ضحكة هامسين: الله يسترها علينا، ضحكنا بما يفيض خوفاً وقلقاً هذا المساء!! أي سعادة منقوصة تلك التي يمكن أن يسعى إليها المرء إذا كان يخشى نَشْوتها أو جذوتها، فيتوقف عنها في الربع الأخير، خوفاً ودرءاً لخطر حاسدٍ مجهول
ذات يوم، أقنعت صديقي القلق بحضور أحد المهرجانات الترفيهية، وكان الحضور كثيفاً، وأجواء المهرجان تصدح. لفت انتباهنا من بعيد تجمهر كثيف للحضور، وتعالي الضحكات التي صدحت في سقف المكان، حتى إنها عَلَتْ على صوت الموسيقى. ذهبنا مسرعين لنضحك مع الضاحكين، فشاهدنا مهرّجاً بأنفه المستعار الأحمر المنتفخ، ووجهه الذي تغيرت معالمه بالمساحيق الملوّنة لتبقيه ضاحكاً.
شاهدناه وحيداً على المسرح، يتحرك ويقفز ويخلق مفارقات مبالغ فيها حول المواقف والقصص، فنراه يفرح بحزن، ويحزن بفرح، ساخراً من النتائج الطبيعية للفكرة والتصرف، فالجميع ينفجر بالضحك من هذا الفارق الساخر الذي يخلقه هذا البهلوان بين الواقع ونتائجه.
شاهدناه يبذل ذكاء باهراً وعبقرياً يقنعنا أنه غبي أبله، فيضحك الآخرين، ويكشف لهم جوانب مغايرة وساخرة من مفاهيم ومواقف ومشاعر وعلاقات، فَنُفاجأ بردود فعله السريعة الساخرة، ونَضْحَك من أنفسنا وبأنفسنا على أنفسنا في ذات الوقت.
نسي صديقي قلقه المزمن القاتم، وتاه في شتى ألوان ذلك المهرّج الذي أضحكه وقهر قلقه حتى انهمرت دموعه دون توقف، فمن فرط الضحك، أبكى المهرج الجميع، صغاراً وكباراً، فجأة، وقبل انتهاء العرض الساخر الضاحك، شد صديقي على كتفي، ودموعه تنهمر..
ويتحسس وجنتيه المتشنجتين من فرط الضحك، وقال لا أستطيع أن أكمل.. لا أستطيع، أريد أن أغادر، قد أموت ضحكاً، ما اعتدت على هذا، وتمالك نفسه، وأخذ نفساً عميقاً، وقرأ من التعويذات والترنيمات والأشعار والحكم والأقوال ما يكفي لرد تسونامي على أعقابه. أصابني منه ترهيب وترعيب، ما قد أفسد علي فَرَحي. فقد أخافني لوهلة من ذلك الغول الذي يستيقظ فيه بعد كل فرحة وضحكة.
نظرت إلى صديقي وقلت له، أتعلم أن هذا المارد من الألم والحزن لا يستيقظ إلا لدى ذلك المهرج الذي ترك همومه وأحزانه وأرقدها سريره وسرّه، فقهر قلبه وعقله ووجدانه، ليستطيع أن يَتَقمَّص دوراً آخر، ليُدْخِل على قلوبنا البَهْجَة والفَرْحَة.
ويُذَكّرنِي الموقف بذلك المهرج الذي دفن للتو ولده الوحيد، وجاء على خشبة المسرح في موعده مرتدياً ملابس عمله، وَوَقَف لوهلة، فضحك الجمهور، ونفض غبار القبر عن يديه فضحك الجمهور، وانفجر بالبكاء، فقهقه الجمهور، وسقط المهرج ميتاً على المسرح، فوقف الجمهور وصفقوا له بحرارة. هكذا إذاً، إن الأجدى بالمهرج أن يخشى المصيبة بعد كل ضحكة وقبل كل عرض، وليس ذلك الصديق المتشائم الذي يمنع عن قلبه الفرح بالخوف.
قلت لصديقي، اذهب، أريد أن أفرح حتى النهاية. غادر صديقي تتقاذفه ريح القلق جنوباً وشمالاً، أما أنا، فضحكت مع الأطفال حتى النخاع، وبلا حدود، وفي الختام، توجهت إلى المهرج بِعينَيّ الدامعتين، وقبّلت أنفه الأحمر ساخر، وأخبرته عن صديقي القلق، فضحك المهرج من قلبه، نازعاً أنفه المستعار.