فرصة لا تعوض!

ت + ت - الحجم الطبيعي

هب العالم المتمدن للدفاع عن حق السوريين في اللجوء إلى مجتمعاته، واتخذت أغلبية مواطنيه مواقف أيدت استقبالهم باسم حق الإنسان في الحياة والرعاية، بينما عارضت أقلية عنصرية قدوم اللاجئين إلى بلدانها وطالبت بطردهم لأسباب ثقافية ودينية، مع أن معظم رجال الدين تبنوا الموقف الأول، الإنساني.

بذلك، انطوى الانقسام على رمزية عظيمة الدلالات، وضعت الإنسانيين في صف اللاجئين، والعنصريين في صف النظام الذي هجر معظمهم، وقربت الرأي العام الواسع من مطالبهم، بينما اعتمد العنصريون أباطيل مما يتبناه النظام الأسدي ضدهم، تتهمهم بالأصولية والإرهاب.

هذا الوضع بمغازيه المهمة، التي تبشر بإنهاء غربة الرأي العام العالمي عن القضية السورية، وبتشكله كرأي عام يرى فيها قضية عادلة يجب أن يتضامن معها، يمثل نقلة خطيرة المعاني يمكننا جعلها حاسمة التأثير سياسياً وإعلامياً بالنسبة لمواقف الدول من شعب سوريا، في ظل توفر عاملين:

ـ وجود علامات جدية تؤكد تراجع سلبية الرأي العام العالمي حيال مأساة سوريا، بفضل احتكاكه الحالي مع جوانب ملموسة منها يجسدها معظم اللاجئين إلى أوروبا، واتساع حملات التضامن معهم إلى أوساط متزايدة من الناس، بالأخص من لهم منهم رمزية كثيفة وفاعلة في مجتمعاتهم كالفنانين والرياضيين والسياسيين والمثقفين ورجال الدين والنقابيين.

هذه المنطويات المهمة للتضامن مع لاجئين صار ينظر إليهم كضحايا مأساة طالت وشرعت نتائجها تهدد جوارها القريب والبعيد، يمكن أن تترجم إلى سياسات علينا كسوريين العمل لجعلها سياسات ضاغطة على المواقف التي تعمل لإطالة الصراع في بلادنا، وخاصة منها سياسات واشنطن، التي سبق لرأي عام دولي أن ضغط عليها ضغطاً فاعلاً ومؤثراً لعب دوراً جد مهم في وقف حربها ضد فيتنام.

ضرورة شروع المعارضة السورية بعمل منظم، منهجي وقادر على تحريك الجاليات السورية والعربية في كل مكان من العالم، وتنظيم حملات إعلامية تشارك فيها قطاعات أوروبية كالمثقفين والإعلاميين وقادة السياسة والنقابات والأحزاب ومنظمات النساء وأساتذة الجامعات ورجال الدين والمغتربين العرب المقيمين في أميركا خاصة، وتغطية الحياة العامة لهذه البلدان بشبكات من الناشطين والمساندين، تزود يومياً بالمعلومات التي تعينها على إنجاح عملها المساند لحق الشعب السوري في الحرية، ونقل حقائق ما يدور في بلادنا من صراع ويكتنفه من أسرار وخفايا.

هذه المهمة يجب أن يتوفر إجماع وطني وسياسي سوري واسع حولها، ولا بد أن تبقى فوق أية خلافات، وعلى الائتلاف القيام بها دون إبطاء، لأنه قد يتخلص بواسطتها من ضعف مواقفه السياسية والعسكرية، وتراجع مكانته الدولية، ويحتوي بعض ما يجري تحت أعيننا من ألاعيب ومخاطر دولية وإقليمية تنتهك حقوقنا، ومن تطورات استيطانية ونقلات استراتيجية من شأنها تغيير طابع الصراع الدائر في وطننا، بنقله إلى مرحلة جديدة تعجز المعارضة عن مواجهتها بقواها الذاتية، التي تزداد تناقصاً وتشتتاً وضعفاً، بما تعتمده قياداتها من سياسات، وتقيمه من علاقات بين فصائلها، ومع العالم بشقيه المعادي صراحة والمعادي ضمناً لنا.

يرتبط نجاح ما هو مطلوب لبناء رأي عام عالمي داعم لنا بتقدم وعيه لقضيتنا ودعمه لها، وبالتالي بقدرتنا نحن على وعي متطلباتها والتواصل مع الآخرين وتحويلهم إلى طرف صديق لنا، وبما نحققه من نجاح في تنظيم أنفسنا ونقيمه من مؤسسات سيكون لها دور حاسم في تحقيق أمانينا وإنقاذ وطننا. يقترب العالم من قضيتنا، فهل سنعرف نحن كيف نقترب منه ونكسبه؟

طباعة Email