ثمة ملامح مميزة عسكرياً وسياسياً، تَسِمُ مشهد المواجهة مع تنظيم «داعش» في العراق، عسكرياً، مرت ثلاثة أشهر على بدء العمليات لتحرير محافظة الأنبار، لم تتمكن قوات الجيش والمليشيات المساندة لها من تحقيق تقدم يذكر، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدتها.
من جانب آخر، تشهد جبهة محافظة الموصل تراجعاً وتلكؤاً في الجهود المبذولة لتحريرها، في حين تخوض قوات البيشمركة الكردية، معارك تحرير قرى، وفق استراتيجية خاصة بها، بمعزل عن التنسيق مع الحكومة المركزية في بغداد.
في غضون ذلك، تزداد معاناة المواطنين العراقيين في هاتين المحافظتين، اللتين تشهدان تدهوراً كبيراً في الأوضاع الصحية والنفسية والاجتماعية، وتشهدان كذلك ازدياداً في مشاعر الإحباط، بعد أن طال انتظار سكانها فعلاً، يرتقي إلى مستوى رغبتهم في التخلص من براثن تنظيم داعش، فالثقة بقدرات الحكومة أو التحالف الدولي، أو رغبتهم الحقيقية في هزيمة داعش، تتراجع باستمرار.
هناك مراكز قوى متعددة تتحكم بمسارات الحرب على تنظيم «داعش» ومسارات مآلاتها، فهناك الجيش والحشد الشعبي وقوات البيشمركة وقوات العشائر، وهي قوى متنوعة الولاءات، ومن الصعب القول، إنها تأتمر بأوامر رئيس الوزراء، الذي يعتبر دستورياً، القائد العام للقوات المسلحة. في ضوء هذه التعددية، يجد الأميركيون صعوبات كثيرة في التعامل مع واقع بهذا القدر من التمزق والتعقيد.
رغم أنهم قد رفعوا في الآونة الأخيرة من سقف ضغوطاتهم، بالتزامن مع زيادة انشغالهم عسكرياً في جبهة الأنبار بشكل خاص، فهناك زيادة في عدد القوات الأميركية في هذه المحافظة، وحراك سياسي كثيف في بغداد وأربيل، الولايات المتحدة ربما بصدد كسر الجمود المخيم على المسرحين السياسي والعسكري في العراق.
الأصوات المعارضة للتدخل البري الأميركي في صفوف كتلة التحالف الوطني، أصبحت أقل حدة عن ذي قبل، وهو تراجع لم يتأتَ عن قناعة بأهمية الدور العسكري الأميركي على الأرض، فهناك جملة عوامل عملت على تليين الموقف من العودة الأميركية، منها الفشل في مواجهة التنظيم، وارتفاع حجم الخسائر في صفوف الجيش والحشد الشعبي، والضغط الكبير الذي تفرضه هذه الحرب على الموازنة المالية المتعبة للدولة.
الموقف في محافظة الأنبار في غاية التعقيد، فالأزمة لا تقتصر على المواجهة بين تنظيم «داعش» والحكومة، هناك صراعات عشائرية انبثقت على الساحة، مع دخول هذا التنظيم الذي سمحت الأجواء التي صنعها، على انبعاث الأحقاد الدفينة بين العشائر..
وبدأ بعضها بممارسة عمليات أخذ الثأر من بعضها الآخر. هذه العشائر ليس لها موقف موحد من تنظيم داعش، فبعضها قد هادن هذا التنظيم، بينما أيدته عشائر أخرى، وانخرط أبناؤها في صفوفه، في حين وقفت عشائر أخرى إلى جانب الحكومة في صدام مباشر مع هذا التنظيم.
هناك تباين واسع بين عامي 2006 و2015، في الظروف والملابسات التي تحيط بمواقف عشائر الأنبار، ففي عام 2006، كان هناك تنظيم القاعدة، الذي يضم في أغلبيته مقاتلين أجانب بعيدين كل البعد عن المنطقة، جاؤوا من كل حدب وصوب، لذا، كان من صالح العشائر أن تتوحد لطرد هؤلاء من أراضيهم..
وهو ما حصل فعلاً، في حين نشهد هذا العام، أن تنظيم «داعش» ومقاتليه هم من أبناء عشائر المحافظة نفسها، وليسوا غرباء عن أرضها، فقد زرع التنظيم فرقة كبيرة وخطرة في النسيج الاجتماعي لهذه العشائر.
الولايات المتحدة، التي لا تزال تمتلك مفاتيح التحكم بمسارات الأحداث في العراق، تقرر فصل ملف محاربة «داعش» في العراق، عن ملف محاربته في سوريا، من منظور أن للعراق أولوية ينبغي عدم التقليل من شأنها، خاصة بعد ازدياد التعقيد في الملف السوري، بزيادة روسيا لثقل حضورها في الأراضي السورية..
ففرص تحقيق النجاحات تتوافر في العراق أكثر مما تتوافر في سوريا، لأن الساحة العراقية تتميز بوجود حلفاء للولايات المتحدة، وهي عشائر المنطقة الغربية وقوات البيشمركة الكردية، وبعض التشكيلات من قوات الجيش العراقي.
سيناريو الحرب على «داعش» في محافظة الأنبار، يختلف عنه في الموصل، وذلك لاختلاف الطبيعة الجغرافية والتركيبات السكانية، فدور العشائر في محافظة الأنبار، أكثر أهمية من دورها في الموصل، وسيكون رئيساً في هذه الحرب، وهو ما تدركه الولايات المتحدة، التي لديها خبرة مهمة في هذا المجال..
حيث حقق الجنرال بترايوس ومساعدوه في حينه نجاحات مرموقة في توظيف جهود هذه العشائر، تحت مسمى «الصحوات»، في محاربة تنظيم القاعدة وطردها. وهي بصدد تسليح هذه العشائر وتدريب أفرادها لإنجاز مهمة مماثلة، حيث زادت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة من عدد قواتها الخاصة في مطار الحبانية العسكري، في سياق الاستعدادات لمعركة تحرير مدينة الرمادي.
ويبقى الطريق طويلاً في سلسلة المواجهات مع تنظيم «داعش»، ولن ينجح العراقيون «مطلقاً» في التخلص من التنظيم، طالما بقيت التناحرات السياسية قائمة، وطالما بقيت مسارات الأحداث فيه تصنع في عواصم دول الجوار.