ليس هناك، في الغالب، حدود لرغائب البشر، سواء أكانت رغائب واقعة أو رغائب «بين بين» أو رغائب خيالية لا واقعية، وفي كل الأحوال فإن الرغبة تحدد السلوك بوصفها دافعاً له .
غير إن الرغبوية هي نزعة أيديولوجية بامتياز، إنها النظر إلى الواقع والمستقبل وفق ما نرغب فيه وليس وفق الواقع الموضوعي، وهنا يقع التناقض بين الرغبوية والموضوعية. إن من حيث الفهم أو من حيث الوعي الذي يقود إلى الفعل.
ويزداد خطر الرغبوية في الحقل السياسي، لأنه يقود إلى نتائج كارثية على المستوى القريب وعلى المستوى البعيد دون أن تقود النزعة الرغبوية التي أشرنا إليها إلى أية نتائج واقعية قط.
تأملوا معي الخطاب السياسي الذي يصدر عن حركات سياسية أو عن أفراد عاديين أو عمن يُطلق عليهم لقب محللين استراتيجيين أو خبراء استراتيجيين.
فالخطاب السياسي الرغائبي من شأنه أن يزيف الوقائع ويقلبها رأساً على عقب، وحيث تثبت الأيام لاحقاً بؤس هذا الخطاب.
ويجب أن نميز بين الخطاب الرغائبي والخطاب الكاذب الذي يعرف صاحبه بأنه مناقض للحقيقة، فالخطاب الكاذب هو خبر كاذب ومعلومات كاذبة، فقد ظل الحوثيون، على امتداد شهور، يتحدثون عن سيطرتهم على المحافظات الجنوبية وهم يطردون منها مدينة مدينة، وما زال الإعلام السوري يتحدث عن الانتصارات الكبيرة التي يحققها على الأرض في الوقت الذي لم يعد يسيطر إلا على أقل من ثلث البلاد.
والأمثلة لا تحصى على أنماط الخطاب الكاذب.
أما الخطاب الرغبوي، فهو كما قلنا ذاك الخطاب الذي لا يصدر عن وعي بحقائق الأشياء والوقائع والتاريخ وإنما يصدر عن رغبة أيديولوجية، ويسلك وفقها دون النظر إلى النتائج الكارثية لسلوكه.
لو سألنا الخطاب السياسي الرغبوي الإيراني، كيف يمكن لسياسة توسعية أن تنتصر على منطقة عربية مختلفة عبر جماعات طائفية أقلوية تستخدم القوة؟ إنها الرغبوية السياسية.
كيف يمكن للحوثيين أن يحكموا بأقل من عشرة بالمئة من السكان بلداً كاليمن بكل تاريخه ونخبه وقبائله ومذاهبه ومحيطه العربي؟ إنها الرغبوية السياسية.
كيف يمكن حمل الناس في سوريا على القبول بحل سياسي يبقي على من تسبب بقتل مئات الآلاف وتشريد مئات الآلاف الآخرين ومثلهم من يقبع في السجون؟ إنها الرغبوية السياسية.
ولعمري إن كل فعل سياسي لا يصدر عن فهم عميق وموضوعي للإمكانيات وقدرة البشر على تحقيقها فعل خطير على حياة البشر.
الواقعية السياسة هنا ليست القبول بالأمر الواقع، بل تغيير الواقع عبر فهمه العميق. عبر فهم البنية الواقعية واحتمالات قوة الإرادة في زعزعتها. ولا شك عندي النزعة الرغبوية القابعة في الإيديولوجيات النكوصية لا تقل خطورة عن النزعة الرغبوية للفئات المنهارة حتى لو لم تكن أصولية، فالتعامل مع مسألة المصير والمستقبل أمر مرتبط بحياة الناس ولا يجوز أن تخضع، أي هذه المسألة، إلى الرغبوية الزائفة التي إذا ما تمكنت من جماعة سياسية تملك قوة مادية مدمرةً فإن الكارثة، ستحل بالضرورة.