«أكون أو لا أكون.. ذلك هو السؤال»، وتلك هي العبارة الخالدة للكاتب المسرحي الأشهر في تاريخ الأدب الإنجليزي والعالمي على لسان سيد الشك والريبة وضحية البحث عن الحقيقة هاملت المُنتقِم لمقتل أبيه، إنه السؤال الذي لم يفقد بريقه وبقي حيّاً في نفوس البشر الباحثين عن الحقيقة، وسيبقى طالما أن الحقيقة دائما غامضة وأنها الشغل الشاغل لبني البشر عبر التاريخ..

ويستعر السؤال جنوناً عندما يعتمل فيه الشك. فالشك سيد اليقين أساس القلق ومشعله في ذات الوقت، والمعرفة دائما تبدأ بالسؤال. فمن هاملت وسؤاله الكبير، ومن قبله أوديب سوفوكليس الخالد الذي حل لغز قتله لأبيه وزواجه من أمه خطأ..

وكيف أن نفوذه كملك يضمر ويتضاءل مع إجابته على الأسئلة المصيرية سعيا وراء الحقيقة وإغواءاتها. فإن تجيب السؤال يعني أنك قاربت بين أطراف الفارق الغامض بين الشك واليقين، فتبزغ علامات المعرفة بوضوحها وغموضها، أو يعني أنك باعدت بين أطرافها فتعيش في عالم لا يمت للحقيقة بصلة، فتصاب بالجنون والشك واللاواقعية على أقل تقدير.

أفهم أن يسأل أحدهم أسألته الوجودية والفلسفية، والمصيرية، فيعصف في أذهاننا أسئلة خاملة وأجوبة نائمة. ولكن ما لا أفهمه في كثير من البشر الفضوليين، ما أن تقابلهم للمرة الأولى في مناسبة عابرة حتى يُمطِروكَ ويطمروك ويرشقوك دون هوادة أو رحمة بسلسلة من الأسئلة لا تنتهي، ابتداء من عمرك التي تخبئه حتى على مرآتك، ووزنك، وإن كان لون شعرك طبيعيا أو مصبوغا، وهواياتك الدفينة والمنقرضة، وعلاقاتك وخيبات الأمل، ومرورا بعملك، وراتبك الأساسي والشامل..

ومذهبك ودينك ومعتقدك، وغيرها من الأسئلة ثقيلة الظل غير الضرورية فاقدة الوعي والمعنى خصوصا بين الغرباء. فيبدأ الغريب سؤاله عند أول إشارة تعريف أو ترحيب بالاستفسار عن جنسيتك وبلدك الأصلي، وعن مولدك، وبرجك بمائه وناره وترابه وغباره..

وما أن تجيبه باقتضاب وكياسة وغيظ مكبوت وباحترام العلاقات السريعة، حتى يرميك بسؤال يبدأه بعبارة ملؤها الأدب واحترام خصوصية الآخرين، فيسأل: إذا سمحت لي!!: ما تخصصك في الجامعة والعمل، وأين تعمل؟ فتفكر في الإجابة التي ترضي فضوله وبنفس الوقت تحافظ فيها على الحد الأدنى من الخصوصية الاجتماعية أمامه كغريب ثقيل الظل.

وبعد قليل في غمرة التعريف والتعارف بين حضور الحفل المخملي، وبعد أن تتنفس الصعداء أنه غاب في الزحام ووجد ضحية أخرى، يعود إليك وتظنه قد أدرك «غلاسته» وفضوله الثقيل، ولكنه يفاجئك بعبارة: بلا مؤاخذة، ممكن سؤال، أولادك في أي مدرسة، وحينما تجيبه يسألك: عامة أو خاصة، كم أقساطها، نقدا أم بالشيكات، دفعة واحدة أم دفعات، وتجيب ويسأل وتجيب ويسأل وهكذا دواليك.

ويسألك عن أعمار أولادك وعددهم الأكبر فالأصغر وأجناسهم، ومن باب أن ذلك قد يُفيده في تربية وتعليم أولاده باختيار المدرسة المناسبة لهم، أجبته بكامل التفاصيل وإن كان الحوار برمته ليس في سياق المناسبة الاجتماعية التي من أجلها أقيم الحفل، وليس مع الشخص المناسب. كاتما غيظي، علقت على سؤاله، فقلت: يبدو من اهتمامك البالغ بالمدرسة أنك غير مرتاح بمدرسة أولادك ومستوى التعليم!!

فيجيبني، لا أبدا على الإطلاق، وصمت. تجرأت على نفسي أولا لأنني لا أحب طرح الأسئلة وأعتبرها نوعا من أنواع الصفاقة الاجتماعية خصوصا مع الغرباء، وإن طرحتها أحاول جاهداً أن لا أبدو فضولياً أو شكاكاً أو مشكوكاً فيه، لكنني سألته سؤالا مباشرا ومقتضبا: لم لا؟ فأجابني بأنه غير متزوج ولا أرمل ولا مطلق ولا منفصل. شعرت أنني مغبون وقد تم «استهبالي» بالفعل حتى ولو لم يكن قاصدا.

فسألته وكنت ألتمس الإجابة بنعم حتى لا أبدو ضحية لفضوله الأخرق وأسئلته «الحِشَرِيّة»، فلا أشعر أن وقتي واهتمامي بالإجابة ولو على مضض ذهبت سدى في غير محلّها. فقلت له: لا بد أن لك أقارب يعانون من مدارسهم، أجابني بأنه جديد وزائر عند صديق له، وهو الذي اصطحبه إلى الحفل مصادفة. تطاير الشرر من عيني، سألته عن صديقه أين هو، وخبا غضبي لأن صديقه ليس من معارفي.

وقفت لوهلة وقلت لهذا العابر المُمِل: إذا لماذا تسأل عن شيء لا يهمك!، فيجيب بثقة: ليس لسبب سوى تجاذب أطراف الحديث. تطاير من عيني الشرر ولمعت أسناني واصطكت وتقلصت قبضة يدي، ولولا وقار المكان والمناسبة لصرخت في وجهه بأعلى صوتي. إلا أنني أدرت له ظهري، أكون أنا ولا يكون هو، وتذكرت قول برنارد شو:

لا تناقش أحمق فإن من يسمعكما لا يعرف أيّكما الأحمق. وأدركت الفرق بين سؤال وسؤال، بين سؤال الفضول الأجوف، وبين سؤال البحث عن الحقيقة المطلقة، بين السؤال الافتراضي العلمي وبين الاستفسار الفضولي السطحي. ولكن ثمة فائدة قصوى من السؤال أياً كان نوعه، عميقاً، مركباً، معقداً، سطحياً أم تافهاً، إذ إنها تكمن بأنك تعرف قيمة السائل من سؤاله..

وهذه بحد ذاتها عتبة حقيقة العلاقات الاجتماعية والمهنية بين البشر. وكما قال الإمام أبوحنيفة رداً على أحد الأسئلة التافهة في مجلسه: «آن لأبي حنيفة أن يمد رجله». وأنا أقول إن سمح لي شكسبير، «أن تُجيب أو لا تُجيب.. تلك هي المَسْألة».