فور انتخاب غيرمي كوربن لرئاسة حزب العمال البريطاني، قفزت للمقدمة في تعليقات المراقبين، فكرتان، أولاهما، المقارنة بينه وبين المرشح للرئاسة الأميركية برنارد (برني) ساندرز «الاشتراكي»، أما الفكرة الثانية، فكانت التحذير من أن انتخاب زعيم «براديكالية» كوربن، من شأنه أن يجعل حزب العمال «غير قابل للانتخاب» في بريطانيا. والحقيقة أن الصواب يجانب الفكرتين إلى حد كبير، فضلاً عن أنهما معاً تأخذان الأنظار بعيداً عن أهم ما يجري في بريطانيا وأميركا معاً.
فالمقارنة بين غيرمي كوربن وبرني ساندرز، والتي عززها هجوم حملة هيلاري كلينتون على ساندرز، بمجرد تهنئته لكوربن بالفوز، واعتبارهما «متماثلين» في الأفكار، هي مقارنة في غير محلها. فالمشترك بينهما لا يتعدى كون كل منهما صعد على غير ما توقعه الإعلام والنخبة في بلده، والتي راحت بعد ذلك الصعود تتوقع، بالمناسبة، الأفول السريع! فساندرز، والذي كان عضواً «مستقلاً» في مجلس الشيوخ، قرر أن يرشح نفسه للرئاسة عن الحزب الديمقراطي، ولم يرشح نفسه مستقلاً، وتلك مسألة بالغة الأهمية لمن يتحدث عن «الراديكالية».
فانتخابات الرئاسة الأميركية ذات قوانين كتبها أعضاء الحزبين الكبيرين في الكونغرس، لتعطي مزية كبرى لهما معاً، على حساب المستقلين والأحزاب الأصغر، سواء في ما يتعلق بالتمويل، أو حتى في ما يتعلق بأن يكون اسم المرشح موجوداً أصلاً على قوائم الاقتراع في الولايات الخمسين. لذلك، فإن الأسهل هو الترشح تحت اسم الحزبين الكبيرين. لكن الترشح باسم أي منهما يعني عملياً القبول بقواعد الحزب التي يفرضها على المرشحين باسمه، كما حدث في انتخابات 2008 مثلاً، حين فرض الحزب على مرشحيه عدم خوض الانتخابات في ولايات بعينها، رفضت موعد الانتخابات التمهيدية الذي حدده الحزب لها.
وبرني ساندرز، في الحملة الانتخابية الراهنة، لا يتخذ مواقف في السياسة الداخلية والخارجية تجعله «براديكالية» جيرمي كوربن. صحيح أن بعض مواقفه على يسار هيلاري كلينتون، إلا أن هذا في ذاته، لا يجعل تلك المواقف «راديكالية». وهيلاري كلينتون نفسها تسعى لأن تكون مواقفها الانتخابية أكثر يسارية من مواقفها في السلطة كعضوة بمجلس الشيوخ أو كوزيرة للخارجية، لأن تلك هي طبيعة الانتخابات في أميركا، حيث يحسم معركة الانتخابات التمهيدية قاعدة الحزب، أي يسار الحزب الديمقراطي، ويمين الحزب الجمهوري، بينما يحسمها ناخبو الوسط في حملة الخريف.
أما جيرمي كوربن، فهو كان منذ البداية مناهضاً لتيار توني بلير في حزب العمال، وهو نفسه تيار بيل كلينتون في أميركا، حيث أطلق عليهما معاً في التسعينيات اسم «الطريق الثالث». وكان، ويظل، ذلك التيار يمثل يمين الوسط لا اليسار. ومواقف كوربن راديكالية بالفعل، بدءاً من دعوته إلى عدم تحديث السلاح النووي البريطاني، والخروج من حلف الناتو، إلى جعل التعليم الجامعي في بريطانيا مجانياً، فضلاً عن موقفه شديد المعارضة لسياسات التقشف.
ولبعض تلك المواقف شعبية كبيرة داخل بريطانيا حتى من خارج حزب العمال. وهو أحد الجوانب التي تقلل من أهمية فكرة «عدم قابلية الحزب للانتخاب» تحت رئاسته، خصوصاً أن أغلب نواب البرلمان من تيار بلير بالفعل. لكن السبب الأكثر أهمية، هو أن الانتخابات البرلمانية القادمة في بريطانيا، لن تعقد قبل خمسة أعوام. صحيح أن النظام البرلماني البريطاني يسمح بانتخابات مبكرة، إلا أن الأرجح أن رئاسة الأحزاب ستتغير قبل ذلك.
لكن القضية المحورية التي يطرحها الفوز الكبير الذي حققه كوربن (59 % من الأصوات)، هو أنه يفتح الباب على مصراعيه للأسئلة حول الجوهر الحقيقي لليسار في عالم اليوم. ففي بريطانيا، لا يزال هناك في حزب العمال من يؤمنون بالبليرية، ومنهم أغلب نواب الحزب في البرلمان، وهي البليرية التي لم يستطع إد مليباند، أن يمحوها خلال فترة رئاسته للحزب.
والحزب يشهد أزمة داخلية كبرى، ستسفر الأيام القادمة عن نتيجتها. والأمر نفسه ينطبق على الحزب الديمقراطي الأميركي، فلا تزال أفكار بيل كلينتون مهيمنة على قطاع واسع داخل الحزب الديمقراطي.
المفارقة، هي أن بعض قطاعات اليسار الأميركي التي قدمت أوباما في 2008، على أنه ممثل اليسار، رغم أن الرجل لم يقل طوال الحملة ما يثبت ذلك، هم أنفسهم الذين يقدمون ساندرز هذه المرة بالصفة نفسها!
والمعركة في كل من حزب العمال البريطاني، والحزب الديمقراطي الأميركي، معركة حقيقية حول روح الحزب. فكلاهما لم يعد يمثل «اليسار»، وإنما صار نسخة أقرب ليمين الوسط، ومن ثم، صار من المهم أن يحدد اليسار في كل منهما القوى التي يمثلها تحديداً، والأفكار الممكن الدفاع عنها.
وفي ما هو أبعد من أحوال البلدين، فلأن الناخبين، يعطون أصواتهم المرة بعد الأخرى، في أوروبا وأميركا، لمناهضي التقشف والباحثين عن السلم الدولي، فإن انتخاب كوربن، بعد سيريزيا، يعيد طرح أسئلة كثيرة، أهمها على الإطلاق، هو ذلك المتعلق بالتناقض الواضح بين المطالب الواضحة للناخبين، وبين ما يحول دون انتهاج سياسات تعبر عن تلك المطالب!