اكتشافات شركة «إيني» الإيطالية لحقول غاز جديدة في المياه الإقليمية المصرية بالبحر المتوسط كان لها وقع السحر على المستويات السياسية والجماهيرية والإعلامية لدرجة أنه كان من الممكن أن نتصور نحن ـ المصريين- أننا سنفاجأ في صبيحة اليوم التالي لإعلان الاكتشافات بأغنيات أو «أوبريتات» فنية تمجد الغاز الطبيعي وتشيد بالاكتشافات الجديدة تماماً، كما غنينا من قبل للسد العالي في أسوان ومترو الأنفاق في القاهرة، و«النيل سات» في المدارات الفضائية كونه أول قمر صناعي مصري.
وحتى اليوم ورغم مرور أسابيع عدة على الإعلان عن هذه الاكتشافات، ورغم إقالة حكومة المهندس إبراهيم محلب ،التي ظهر الغاز في وجودها، وتكليف المهندس «البترولي» شريف إسماعيل بتشكيل الحكومة الجديدة إلا أن وسائل الإعلام المصرية – المطبوعة والمرئية وربما المسموعة – لم تتوقف عن الحديث عن أهمية هذا الاكتشاف الضخم الذي سيضيف نحو ثلاثين مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي إلى احتياطات مصر من هذا المصدر الأحفوري للطاقة، بما يوازي نحو 40% من الاحتياطات المرصودة بالفعل.
ولا شك على الإطلاق في أهمية هذا الاكتشاف واحتياج مصر إليه حاضراً ومستقبلاً بعدما تحولت إلى دولة مستهلكة للطاقة بشكل جنوني بلا موارد ضخمة تكفي هذا الاستهلاك الشره وضرورات التنمية الاقتصادية.
ولنقتبس هنا مجدداً كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم افتتاح قناة السويس الجديدة- أول فرحة كبرى للمصريين منذ ثورة 25يناير 2011- حيث قال، إن هذا المشروع مجرد خطوة من ألف خطوة مماثلة للنهوض بالدولة المصرية، ولنقتبس مجدداً كلماته أمام الندوات التثقيفية للقوات المسلحة يوم كان وزيراً للدفاع ونظن أنها التصريحات الأهم التي عكست رؤيته الاستراتيجية «الواقعية»، بشأن الأوضاع المصرية.
وقتها أشار المشير السيسي إلى أن الدولة المصرية بحاجة إلى إنفاق ما يتجاوز التريليوني جنيه سنوياً (نحو 300 مليار دولار) على الصحة والتعليم والخدمات العامة والمشروعات الاستثمارية حتى يمكن تحقيق معدلات نمو مرتفعة تساعد على تحسين الأوضاع المعيشية بصورة ملموسة والتخلص من المشكلات المزمنة التي تعاني منها البلاد.
تلك كانت نظرة موضوعية ورؤية ثاقبة قدمها الرئيس السيسي وأعتقد أنها ضمن عوامل وأشياء أخرى كانت من أهم مسوغات الشعبية الكبيرة، التي حظي ويحظى بها الرئيس المصري، وأغلب الظن أن رؤيته تلك لا تزال قائمة، فمصر في حاجة إلى موارد ضخمة جداً لإنجاز مشروعاتها التنموية العملاقة، بينما لا تزال ميزانيتها السنوية بعيدة جداً عن التريليوني جنيه وقد تقترب بالكاد من حاجز التريليون جنيه مقسمة إلى أربعة أرباع، الأول لمرتبات وأجور العاملين والموظفين بالدولة، والثاني لتغطية أقساط خدمة الديون الخارجية والداخلية، والثالث لتمويل الدعم الهائل للسلع والمنتجات البترولية، أما الرابع فيذهب للتعليم والصحة والخدمات العامة، مع الأخذ في الاعتبار نسبة العجز في تمويل الميزانية وأكثر من تريليوني جنيه ديون داخلية.
يعني ذلك ببساطة أن عوائد حقل الغاز الجديد لن تمثل مصباح علاء الدين أو مغارة علي بابا التي ستنقل مصر والمصريين من حال إلى حال، فبداية ما ستحصل مصر عليه من هذه الاكتشافات لن تظهر ثماره في وقت سريع حيث ستحصل الشركة الإيطالية صاحبة الاكتشاف على نسبة 40% صافية من العائد لتغطية نفقات الاستكشاف والاستثمار في الحقل، بينما سيتم تقاسم النسبة المتبقية(60%) بواقع 35%للشركة و65% لمصر، ويتضح من ذلك أن العائد من هذا الإنجاز قد يساعد بشكل جزئي وربما يغني مصر مستقبلاً وحسب تطور الإنتاج عن استيراد الغاز، ولكنه لا يغني مصر عن ضرورة إنجاز المشروعات الوطنية العملاقة واستقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية وتنمية مختلف القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية لتحقيق معدلات تنمية حقيقية يشعر بها المواطن.
هي فرحة يشتاق إليها المصريون ويتطلعون إليها للخروج من عنق الزجاجة ولو خطوة بخطوة، لكن وكما كان الحديث عن قناة السويس الجديدة، فإنها مجرد خطوة على طريق الألف مشروع، وربما كان المكسب الأكبر مجددا هو استعادة الدولة المصرية لذاتها وللثقة الدولية ولقدرتها على الإنجاز، وكلها رسائل مهمة جداً، وتبقى معادلة «نفرح أم ننجح؟» هي المطروحة، والحل ليس صعباً أو مستعصياً وهو ببساطة ننجح ثم نفرح، ونغني أيضاً وقتها للغاز والبترول والعاصمة الجديدة كما هي عاداتنا مع الإنجازات والمناسبات السعيدة.