لا استسهال ولا استهانة !

ت + ت - الحجم الطبيعي

لولا التعامل بمنطق الاستسهال مع معضلتنا السورية لاختلفت أمورنا بالتأكيد، ولما وصلنا إلى المأزق الذي يستهلك قدراتنا ويقتل ويشرد ويعذب الملايين من مواطنينا. ولولا الاستهانة بأهداف السوريين ومصالحهم لما سادت ساحة ما يفترض أنه العمل الوطني سياسات وضعتهم خارج اهتماماتها، انصرفت خلال أعوام أربعة إلى مسائل اقتصرت على صراعات أملتها غالباً تفاهات انتجتها غيبوبة سياسية وعقلية أوهمت أصحابها أن عليهم منحها وقتهم والقليل مما لديهم من خبرة ومعرفة، وما التزموا به من تبعية لهذه الجهة أو تلك، وأغرقوا أنفسهم فيه من انقسامات ملأت أجواء المؤسسات التي انتموا إليها بصراعات لا تمت إلى شعبهم وثورته بصلة، وتمت فبركتها ليس من أجل أن تقوم بواجبها الوطني، بل لتغطي حصتها من الصراع على بلادها باعتباره «أزمة » يتحكم بمفاتيحها أجانب ومتدخلون يديرونها بمعايير تحقق بمصالحهم وما خططوا له من تصفية حسابات فيما بينهم ، تدرج وجود السوريين ومصالحهم في الدرك الأسفل من اهتماماتها، وتجعل منهم وقوداً للحرق كي لا تزج بجنودها في معاركه، ولأنها ترفض مطالبهم وترى فيها مخاطر تهددها، لا حقوقاً تستحق المساندة.

مرّ الصراع على سورية بمراحل متتابعة، كان أولها محلياً صرفاً، طرفاه النظام والشعب. وحين تكشفت أبعاده الخارجية، ببروز دور روسيا وإيران فيه وبما بينهما وبين نظامه من تشابكات متنوعة تؤكد شراكتهما الأمنية كمحدد رئيس لعلاقاتهما معه، وبدخول أميركا القوي إلى الثورة وتحويلها إلى ساحة تصفية حسابات وتسوية تناقضات ومشكلات دولية وإقليمية كانت قد تفاقمت قبل الحدث السوري، وبلغت درجة من الشدة والتأزم حملت قدراً من الخطورة بدت معه وكأنها عتبة أولى من حرب لا يستبعد إطلاقا أن تصير في حال انفجارها كونية.

منذ دخولها إلى مكان لم تكن متوضعة بقوة فيه، هو القسم الغربي من جدار سياسية صار كسره محتماً لتعويض فشلها في العراق وتطويق وإضعاف قسمه الشرقي : عنيت إيران الملالي، التي انخرطت بسرعة في المعركة داخل بلادنا وحولها، كي تحول دون انتصار ثورتها الشعبيه واحتمال انفجار الثورة فيها، كما اعترف كبار مسؤوليها.

واليوم، ترسل موسكو وطهران قوات عسكرية مؤثرة إلى سورية، بعد أن فشلت حرب شنتها إيران بالواسطة ضد شعبها، وفشل المرتزقة الذين استخدمتهم لتحقيق أهدافها، لأن قوتهم لم تكن كافية لتنفيذ ما طلبته منهم، الأمر الذي أقنعها بضرورة خوض الحرب بقواتها العسكرية، للتعويض عن ضعف ميليشيا حزب الله وعصائب أهل الحق وغيرهما من منظمات الإرهاب الإيراني، وعجزهما عن جعل الهزيمة مصير التدخل الإيراني، إذا لم يبادر جيشها إلى زج جنده في الحرب.

في هذه الأثناء ، وكرد على انتصارات الثوار والمخاطر التي انتجتها هذه التطورات المتشعبة والمعقدة، أرسلت روسيا، التي قاتل جيش النظام بأسلحتها وتحت إشراف وقيادة جنرالاتها وضباطها، جيشها إلى سورية، حيث بدأ يبني وجوداً عسكرياً خاصاً في مناطق مهمة منها.

مما يلفت النظر في هذا السياق أن أميركا، التي عارضت مشروع المنطقة الآمنة حتى بنسختيه التركية والاردنية، رغم أن هدفهما المعلن هو محاربة «داعش» وإخلاء مواقع سورية محددة من المخاطر كي تستوعب المهاجرين السوريين إلى تركية داخلها، اتخذت موقفاً رخواً جداً من ما يبدو وكأنه انفراد عسكري روسي/ إيراني بالساحة السورية، وتركتهما تتموضعان فيها ـ دون أية مقاومة حتى الآن ـ كقوتين لا عدو لهما غير الذين يقاتلون النظام، ممن تطلقان عليهم صفة ارهابيين، وتزعمان أن لهما الحق في القضاء عليهم بقواتهما المباشرة ، توطئة لتمرير حل سياسي تدعيان أن القصد من غزوهما لسورية هو العمل له وإنجاحه.

إلى أين سيقودنا هذا التطور، بما شهده مؤخراً من غزو روسي لبلادنا، ومن تموضع عسكري لجيشين أجنبيين عدوانيين فيها، يشبه ذلك الذي سبق أن أفقدنا الأمن والأمان، وورطنا في صراعات دولية وإقليمية لا ناقة لنا فيها ولا جمل ، وفي عداء مفتعل لمعظم دول وشعوب وطننا العربي، زمن الحرب الباردة ؟. وما هي النتائج الدولية والمحلية، التي قد تترتب عليه بالنسبة إلى شعبنا الذي استنزف عنف النظام قواه.

طباعة Email