لا يمكن أن تتم العملية الانتخابية بعيداً عن تفاعل الإعلام معها، بل إن العملية الانتخابية تبدأ رحاها على صفحات الصحف وشاشات الإعلام قبل أرض الواقع، كما أن الإعلام أحد أهم العوامل المؤثرة في العملية الانتخابية.

والإعلام ابتداء له دور في تنمية الوعي الانتخابي للمواطن، وإلقاء الضوء على أهمية المشاركة في التصويت الانتخابي باعتباره استحقاقاً وطنياً يجب أن يكون المواطن حاضراً فيه، لاختيار من يرى أنه قادر على التعبير عنه وعن طموحاته وآماله في المجلس الوطني، التي تحرص القيادة السياسية على ترسيخ دوره وتعظيم قيمة الدور الذي يقوم به، وأن ما يصدر عنه يوضع بعين الاعتبار عند صناعة القرار الحكومي، وأن المشاركة رغم كونها اختيارية للمواطن غير أنها في حقيقة الأمر لا يجب أن تكون كذلك من الناحية الأخلاقية والتوعوية، ذلك أن مشاركة المواطن في الشأن الوطني واجب لا يقل في أهميتها عن الالتحاق بالخدمة الوطنية، فكل ما يحمل كلمة وطن أو ينتسب إليه من شؤون هو واجب لا يجب التقصير فيه أو التهاون في أخذه بهمة وعزم.

كما أن قيام الإعلام بتغطية جلسات المجلس الوطني في الدورات السابقة وفاعلية أعضائه يساعد في تقييم المواطن لطبيعة الموضوعات التي يتم مناقشتها والأسس التي يتم عليها انتخاب المرشحين للعضوية، وأن لها دوراً مهماً في إلقاء الضوء على فكر المرشح ذاته من خلال اللقاءات التي تتم معهم في مختلف البرامج الإذاعية التليفزيونية باعتبارهم مواطنين مهتمين بقضايا وطنهم قبل أن يكونوا مرشحين.

فضلاً عن ذلك أن وسائل الإعلام ذاتها هي ذاكرة مكتوبة ومسموعة يمكن الرجوع إليها للنظر فيما ذكره المرشحون وتقييم الأدوار التي قاموا بها، في الوقت الذي يجب أن تراعي فيه وسائل الإعلام التوازن في التعامل مع المرشحين أو عرض مقترحاتهم ووجهات نظرهم، وذلك تحد كبير يجب عليها النجاح فيه من خلال التمسك بالمهنية وقواعدها الأخلاقية.

كما أنها لا ينبغي أن تكون طرفاً في تلك المنافسة أكثر من كونها راصداً ومراقباً وناقلاً أميان وكاشفاً، وتدع للخبراء والجمهور التقييم، وبخاصة أن إدارة العملية الانتخابية في الإمارات والمسؤولين عنها قد وفروا بيئة إيجابية، وتعاملت مع كافة الإجراءات بوضوح تام ومعايير واضحة منذ اللحظات الأولى من حيث شروط الترشيح والوثائق المطلوبة، فضلاً عن توفير بيئة مواتية سهلت لكافة وسائل الإعلام الوصول إلى المعلومة بحرية وشفافية.

وحقيقة الأمر أن هناك دوراً مهماً على وسائل الإعلام أن تقوم به لصياغة إطار مختلف يبعد عن الاستحقاق الانتخابي من معركة إلى سباق وتنافس في حب الوطن، وأن من يقع عليه الاختيار من أبناء الوطن لتبوؤ مقعده في المجلس الوطني فذلك تكليف قبل أن يكون تشريفاً، كما أنها مهمة وطنية تتطلب من العضو أن يكون دائماً جزءاً من تقديم الحلول واتقاء العثرات إن وجدت، وأن تكون في الوقت ذاته منبراً يصل بصوت المواطن إلى المرشحين وماذا يريدون منهم، والمعايير التي على أساسها تكون المفاضلة بين مرشح، في الوقت الذي يجب أن تكون للدعاية الانتخابية لكل شخص حدود لا يجب تجاوزها، أو استفزاز المواطنين عندما يصل حد الإنفاق إلى درجة من البذخ لا تتفق وجلال المهمة الوطنية، التي يجعلها بعض المرشحين مهرجاناً لمشاهدة لافتاته أينما حلت، وكأن ذلك هو الهدف في حد ذاته، أو أن كرسي المجلس هو الهدف والغاية.

كما أنه من الأمور التي جعلت من انتخابات المجلس الوطني في الإمارات تجربة ذات طابع خاص،

وبعد بها عن العصبية، هي تلك الثقافة البرلمانية التي أرستها القيادة، والتي يجب على وسائل الإعلام الدق عليها بانتظام وتعميقها، وملخصها ذلك الشعار المعلن «صوت للإمارات»؛ أي أنه هذا السباق الانتخابي هو منافسة في حب الوطن قبل الأشخاص، وأن المجلس الوطني هو في حقيقته حلقة في سلسلة كبيرة ومتينة تضم مؤسسات الدولة تعمل جميعها في تناسق تام وتكامل لخدمة الوطن ورعاية أبنائه، وسوف أكون أكثر وضوحاً عندما أقول إن سياسة الباب المفتوح بين القيادة والشعب، وتواجد القيادة الدائم بين أبناء الوطن في الأفراح والأتراح وعند الشدائد وعند الانتصار، هذه العلاقة هي طوق النجاة الذي ابتعد بانتخابات المجلس الوطني في الإمارات عن كل ما يعكر صفوها، باعتبار أنه ليس الباب الوحيد الذي يستطيع من خلاله أن يصل المواطن بفكره وصوته إلى القيادة في الوقت الذي تفتح القيادة قلبها وفكرها وبابها سواء لأعضاء المجلس أو لغيرهم، وتلك نقطة فارقة نأت بالعملية السياسية عن المشاحنات والممارسات الخاطئة وتم التعامل معها باعتبارها ممارسة سياسية راقية، الخارج منها لن يعدم وسيلة لخدمة وطنة أو الاتصال بقيادته كما الداخل فيها، فالكل في حب الوطن سواء.