عندما تكون مياه البحر هادئة والجو صحواً لا تسمع في الغالب إلا أصوات البحارة والمسافرين على ظهر المركب، ولكن ما أن يكفهرّ الجو بالظُلمة الموحشة ويُزبد البحر بأمواجه العاتية وتكاد العواصف الغاضبة أن تقتلع الأشرعة، حينها تخفت الأصوات ولا تتجه العيون بعد الله إلا لرُبّان المركب.

وعندما يُبارك المولى سبحانه الأُمَم يُقيّض لها بين الفينة والفينة من يُجدّد لها شبابها عندما يدب الوهن في مَن حولها، ويحفظ تماسك بُنيانها عندما تميد الأرض تحت أقدام الكثيرين، ويحمل رايتها عندما ترتعد أوصال الجَم الغفير من رهبة الأحداث وتكالب الأعداء وقِلّة النصير وتتابع الفتن التي تتوالى كسُبْحَةٍ انفرط عِقْدُها

لم يغفُ له جفن منذ مُدة، ولم تسترِح له قَدَمٌ منذ فترة، فحيثما نظرنا إلى خيمة عزاء كان «بو خالد» أول المتواجدين، وكلما التفتنا لسرير مصاب كانت يده الحانية تمسح الرؤوس وتُقبّل الجباه وتحتضن الوطن الذي ينبض تحت تلك الوجوه المسفرة و«اللحى الغانمة»، ننظر يميناً فنراه يُطيّب خاطراً ويشد أزراً، وننظر شمالاً فنجده يمسح دمعاً ويزيح غُصّة، لم يهنأ براحة ولم يقرّ له قرار وهو يؤم المجالس، يشعر بألم الجريح ويحس بلوعة الفقد.

لم يكن الأمر جديداً علينا، فنحن نعرفه عندما كانت الأوضاع مستقرة وهو يجوب عرض الوطن وطوله ومجالسه وملتقياته لا تتوقف مع شعبه، اعتدنا على ابتسامته.

وهو لا يرد أحداً ولا نسمع منه إلا «أبشر بالشبب» و«فالك طيب» وابتسامته لا تفارق محياه، لذا لم نستغرب صنيعه هذه الأيام، فهذا هو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الوجه الطلق والكف الكريم والقلب الكبير و«الخاطر المرحباني» عندما يقصده القاصدون وهو سناد الدار ومحزمها و«عمامة راسها» عندما تدور الدوائر وتتقلّب الأحداث و«تصك الحلقة البطان»!

كانت زياراته التي لم تتوقف يوماً رغم جدوله المزدحم ترجمة حية لمقولته الشهيرة «البيت متوحد»، تطييب خواطر ومواساة لأهالي الشهداء ومشاطرتهم الفخر بخاتمتهم النّيرة، ورسالة للبقية بأهمية نزول القائد للميدان وتلمسّه عن قرب لنبض الشارع واستماعه لصوت المجتمع واهتمامه فعلاً بهموم شعبه ومشاركته للحظاتهم الصعبة قبل لحظات الفرح، كان حفظه الله حاضراً في كل تفاصيل الحياة اليومية ..

كما يجدر بالقائد الحق أن يكون حضوره، فوقت الأزمات والمحن لا بد للقائد أن يكون قريباً بما فيه الكفاية لبث الطمأنينة، ومتواصلاً بما فيه الكفاية لتوضيح كل جوانب الواقع، وواثقاً بما فيه الكفاية لتأجيج الأمل في النفوس فعند اللحظات المؤلمة تكون النفوس أكثر هشاشة وأحوج ما تكون لاستلهام الثبات والتماسك من جديد من خلال قائد واثق في تصرفه كما هو في حديثه.

ليست أقوال بو خالد بالكثيرة، هكذا عرفناه، لأنه استعاض عن الشعارات بالإنجازات وعن كثير الأقوال بجزيل الأفعال، فمنجزاته في خلق هذه النهضة متعددة الجوانب في الدولة عموماً وأبوظبي على وجه الخصوص خيرُ متحدِّثٍ عنه..

لذا كان تواجده المكثف مع أبنائه وإخوانه وآبائه في هذه الأوضاع المعقدة خير ترجمان على قيمه ومبادئه واتساع مساحات البياض في قلبه، ولم يكن حينها غريباً أن يحظى سموه بكل هذا الحب بين أبناء شعبه، فالقائد العظيم هو من يستطيع تأجيج حماس أتباعه حباً وثقة فيه لا تبعاً للسلطة والقوة التي يمتلكها.

في السبعينيات عندما باع الغرب قضايانا وقف لها بقرار تاريخي عَلَمين من أعلام العروبة الأفذاذ: الشيخ زايد والملك فيصل بإيقاف تصدير النفط وبمقولة مجلجلة لزايد الخير: «إنّ البترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي»، وها هي الأيام تعيد الوقائع والأحداث من جديد..

والغرب يريد أن يبيع بلاد العرب في سوق نخاسة مفتوح لمن أرادوا تنصيبه «شرطي المنطقة» ضمن ملابسات مريبة لمقايضة برنامجها النووي بمكاسب أخرى على حساب شعوب الخليج المسالمة..

ولكن كما يقول مثلنا المحلي: «عيال الصقور ما تبور»، فكان القرار الذي لم يتوقعه أحدٌ من أولئك اللاعبين والمتلاعبين الدوليين بإطلاق عاصفة الحزم، قرارٌ وقف خلفه قائدين من قادة العرب: الملك سلمان والشيخ محمد بن زايد، قرارٌ تم بسرعة غير مسبوقة وبجرأة غير معهودة وما أشبه الليلة بالبارحة!

لم يكن الوضع في اليمن عارضاً أو مجرد ثورة جياع أو فيض كيلٍ من نظام حكم فاسد كما كان في ثورته الأولى على حكم الطاغية المخادع علي عبد الله صالح، وإنما كان أمراً نُسِجَ في بلادٍ أخرى بكل تفاصيله، ثم أُتي به كورمٍ سرطاني متعطّش للانتشار وإراقة الدماء وبث الخراب في جزيرة العرب ودول الخليج تحديداً، ولم تكن اليمن سوى قطعة الدومينو الأولى في تلك المؤامرة الدولية ولو سقطت لتداعت البقية لأن الخليج سيكون بين كمّاشتين اليمن والشمال المُسيَّر تماماً من إيران وذلك ما أدركه بو خالد ببُعد نظرته.

لم يتأخر القرار بل هذا نهجٌ ورثه بو خالد من زايد رحمه الله بالمحاولة حتى الرمق الأخير لتغليب الحلول السلمية وإصلاح ذات البين، فمنطق استخدام القوة هو ما ننقمه على القوى المتنمرة لأنّ تبعاته كارثية على البلاد المحارَبة، ولكن عندما اتضح أنّ الطرف الآخر لم يسد أذنيه عن دعوات الخير والسلام فقط بل بدأ باختلاق واقع دموي دخيل على الأرض لم يكن حينها مناص من اللجوء إلى صوت القوة فهو ما سيعيده إلى صوابه وقد فعل منذ أول ضربة!

عند الأزمات تتضح معادن الرجال، وعند الشدائد يظهر القادة الأفذاذ، ولا يضير النور أن يُنكّره الأعمى، ولا يعيب العظيم أن يحاول انتقاصه صغار النفوس وتُجّار المبادئ، ولن يصل لعلياء الكبير مقالات مريضة وصُحُفٌ صفراء، هي أزمانُ ولها رجال على قدرها، وبو خالد رجل هذا الزمن!