كيف يمكن أن يصير الفعل السياسي عبثاً؟ كيف حصل أن تحولت الممارسة السياسية، التي تصل حد استخدام القوة، عبثاً؟

أطرح هذين السؤالين على نفسي وأنا أتأمل سلوك الحوثيين في اليمن، وسلوك الأسديين في سوريا وسلوك المالكيين في العراق. وهل هي المصادفة التي ربطت بين العبثية السياسية وأسماء علم لأفراد محددين؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة لنعرّف العبث قائلين: العبث كل سلوك لا معنى له ولا فائدة منه، وإذا تركنا المعنى الفلسفي - الأدبي للعبث الذي يعبر عن موقف الفرد من الوجود والعالم والذي ظهر عند بعض الفلاسفة الوجوديين كـ "ألبير كامو وسارتر" وعند بعض الأدباء - الروائيين والمسرحيين كـ "بكيت"،..

وإذا تركنا العبث الفردي كنوع من الموقف من الحياة والمعبر عن النزعة العدمية، أقول لو تركنا هذا، فإن العبث كسلوك سياسي وسياسي - مسلح دليل على غياب العقلانية من جهة ونوع من العدوانية الثأرية من جهة ثانية وهذا السلوك لا يقود صاحبه إلى الانتحار. وهو سلوك تدميري يلقي بظله عَلى حياة المجتمع ومستقبل الناس ومصيرهم.

ففي اليمن اعتقد الحوثي الابن أنه قادر عبر الاحتلال العسكري، وبالتحالف مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح وبتأييد من إيران، قادر على حكم اليمن والسيطرة عليها. فقام باحتلال اليمن من شماله إلى جنوبه.

حسناً فإن هذا السلوك حتى الآن قابل للفهم لأن له معنى وإن كان يدل على غباء سياسي. الآن أما وأن هذا الهدف قد تبخر بفعل رفض السكان والمقاومة الشعبية اليمنية والجيش الوطني اليمني وضربات التحالف العربي فما معنى أن يبقى يستخدم القوة العسكرية لقصف السكان في مدن الشمال بعد أن دُحر في الجنوب دحراً كاملاً وهو يدرك..

وعلي عبد الله صالح يدرك أن لا طائل من سلوكهما العبثي هذا. فهم يزهقون أرواحهم وأرواح غيرهم وهم يدركون بأنهم هزموا.

وقس على ذلك ما يجري في سوريا اليوم والذي كان يمكن بحظ من العقلانية السياسية أن تتجنب البلاد هذا الدمار الشامل والقتل واللجوء، سلطة تفقد سيادتها على ثلاثة أرباع البلاد، وما زالت تعتقد بأنها بمساعدة روسية إيرانية قادرة على البقاء.

أوطان حولّها العبث السياسي إلى خرائب، وحمل أهلها على اللجوء هائمين على وجوههم في أصقاع الغرب والشرق.

والمتأمل في هذه البلدان سيجد نفسه أمام تشابه ليس مصادفي، فهي تحتوي على فئات تريد احتكار السلطة وإخضاع الناس بالقوة المسلحة، في كل واحدة من هذه البلدان قادت فيها السلطة المجتمع إلى شكل من أشكال الحرب الأهلية، إنها جميعها غارقة بالفساد المطلق، والنفوذ الإيراني الطائفي حاضر حضوراً قوياً في هذه البلدان لإسناد السياسة العبثية هذه.

من ذَا الذي باستطاعته أن يبني الأوطان بعبث سياسي كهذا؟ وإن هؤلاء العابثين السياسيين يدركون أن لا مستقبل لهم في الأوطان الساعية إلى أمنها وحريتها، بل إني على يقين بأنهم على يقين أن مصيرهم الهزيمة أمام التاريخ المعقول.

يقول التاريخ المعقول في مطلع القرن الحادي والعشرين لا يمكن للحوكمة والسياسة العقلانية أن تتحققا دون دولة العقد الاجتماعي، دون العقد الوطني المعبرين عن الكل المجتمعي بعيداً عن أية سياسة عبثية إقصائية فاسدة.