روسيا تجري سلسلة مناورات حربية ضخمة بالذخيرة الحية في البحر الأبيض المتوسط بين ميناء طرطوس السوري وجزيرة قبرص، تشارك فيها سفن إنزال حربية ووحدات صاروخية، في تأكيد على التزامها الثابت بدعم النظام السوري. وقد سبق لموسكو أن أعلنت قبل ذلك بأيام عدة عن تزويد سوريا بما يعزز قدراتها العسكرية من أسلحة ومعدات لمواجهة تنظيم «داعش» بعد أن أعلنت البدء بالحرب على هذا التنظيم.
على المستوى الرسمي، وصفت روسيا مناوراتها هذه بأنها روتينية، إلا أن من الصعب على المتابع للشأن السياسي الاقتناع بذلك، والنظر إلى هذه المناورات بمعزل عن التوترات الإقليمية في سوريا وفي العراق، وبمعزل عن حالة عدم الاستقرار في عموم المنطقة.
مصطلح «المناورة الحربية» يستخدم عادة في الأعراف العسكرية لوصف التحركات الميدانية للقطعات العسكرية مع معداتها أرضاً أو بحراً أو جواً، وما يصاحب ذلك من لوجستيات تتعلق بالجوانب الإدارية والفنية والاستخبارية.
إلا أن المناورة من جانب آخر هي عرض إعلامي تسويقي لأداء السلاح ميدانياً بما، يتفق مع العقيدة القتالية التي صمم في أطرها، حيث يجلس عادة في المقاعد الأمامية من مسرح المناورة المراقبون والخبراء العسكريون أصدقاء كانوا أو أعداء.
المناورة الحربية هي تطبيق لسيناريو حرب حقيقية مع استثناء واحد، هو غياب العدو، ومع ذلك فإن لها تقريباً كلفة مادية مقاربة لكلفة الحرب، عدا ما يتعلق بقلة أو انعدام الخسائر البشرية. فالكلفة المالية للمناورة باهظة خاصة حين تشترك فيها فرقاطات وسفن إنزال ووحدات صاروخية وطائرات مقاتلة، فعلى سبيل المثال نذكر أن كلفة الطيران فقط للمقاتلة الأميركية إف 16 لمدة ساعة واحدة تبلغ 23 ألف دولار أميركي.
أجرت روسيا في الآونة الأخيرة أكثر من مناورة مشتركة مع دول صديقة، مصر والصين، في البحر الأبيض المتوسط،، إلا أن معاني تلك المناورات تختلف عن معنى المناورة الحالية. فمصر لم تكن بحاجة لحماية روسية حين أجريت المناورات معها، كما هو الحال مع النظام السوري الذي يواجه مشقة كبيرة في الحفاظ على تماسكه أمام فصائل معارضة عدة تسعى لإسقاطه.
فالمناورة الروسية هذه ينظر إليها المراقبون الغربيون على أنها نقلة نوعية في الموقف الروسي من الأزمة السورية ونقلة نوعية في الدور الروسي في المنطقة كذلك.
فقد لا تعود القوات الروسية المشاركة فيها، كلها أو بعضها، إلى مواقعها الأصلية بعد انتهاء الأزمة السورية، بل تبقى في سوريا لمماسة مهام أخرى، وبذلك تصبح هذه المناورة غطاءً لجلب القوات الروسية إلى الأراضي السورية، خاصة بعد توارد معلومات عن بناء قاعدة روسية جديدة قرب اللاذقية مع مدرج واسع لهبوط وإقلاع الطائرات.
فحين تضع روسيا قوات عسكرية في الأراضي السورية لديها من القوة النارية والدعم اللوجستي ما لا يتوافر لأية قوة أخرى تقف ضد النظام، فهي تطمئن النظام وتعزز من أوراقه التفاوضية حول مستقبل سوريا من جهة، وتوسع من وجودها العسكري في البحر الأبيض المتوسط من جهة أخرى، سيما وأن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة عازف عن الدخول إلى سوريا ميدانياً طالما بقي الرئيس أوباما في البيت الأبيض.
قد لا نبالغ حين نقول إن من الصعب حصر عدد المناورات التي تجرى في شتى أرجاء العالم سنوياً، وذلك لتنوع الأهداف التي تكمن خلفها، والتي يستدل عليها من حجمها أو من أماكن القيام بها أو من توقيتاتها أو من نوعية الأسلحة والمعدات التي تعرض فيها.
ورغم أن بعض أهداف المناورات هو اختبار جهوزية القوات واختبار الخطط الحربية وفاعلية السلاح المستخدم وطرائق الإدارة والاتصالات وحزمة اللوجستيات، إلا أن لها أغراضاً أخرى، للردع أو للتهديد أو للتطمين.
روسيا بهذه المناورات تطمئن النظام السوري وتعزز في الوقت نفسه من استراتيجية قواتها البحرية لتوسيع الانتشار في البحر الأبيض المتوسط، الذي يفترض أنه منطقة نفوذ غربية..
حيث تطل على شماله دول الاتحاد الأوروبي التي ينتمي غالبيتها لحلف الناتو. فالبحرية الروسية قد تبنت في الآونة الأخيرة استراتيجية جديدة مبنية على عقيدة الانتشار إلى ما وراء البحار المحاذية لها جغرافياً كبحر البلطيق والبحر الأسود والوصول إلى المياه الدافئة كما هو الحال مع البحرية الأميركية، فالمناورات بالأساطيل في أعالي البحار كانت ولا تزال لعبة الكبار فقط.
كان لموسكو خلال حقبة الحرب الباردة عشرات السفن الحربية تجوب مياه البحر الأبيض المتوسط بشكل دائم، وقد اضطرت لسحب هذا الأسطول عام 1992 بعد عام واحد من انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجع دورها السياسي. إلا أنها ومنذ نهاية عام 2011 أعادت العمل باستراتيجيتها القديمة..
وهي أن يكون لديها حضور دائم في هذا البحر، فهناك قوة بحرية قوامها عشر سفن تابعة لأساطيل البحر الأسود والبلطيق والشمال قد شكلت لهذا الغرض تحت قيادة أسطول البحر الأسود، وهي قوة ذات حجم متواضع مقارنة بالأسطول الأميركي السادس الموجود في هذا البحر..
والذي يضم أربعين سفينة وما يقرب من مائتي طائرة وما يزيد على العشرين ألفاً من مشاة البحرية. الحرص الروسي على الحضور الدائم في البحر الأبيض المتوسط هو العامل الأساسي وراء إلحاق شبه جزيرة القرم بالاتحاد الروسي لضمان بقاء ميناء سيواستبول، مقر قيادة أسطول البحر الأسود، تحت الهيمنة الروسية فمن خلال هذا الميناء تستطيع روسيا إدامة وجود قواتها في البحر الأبيض المتوسط.