قبل أن يهتدي الأوروبيون إلى مقاربة مشتركة لمعالجة الأزمة الاقتصادية المالية اليونانية؛ التي هددت بتصدع آلية العملة الموحدة، فوجئ القوم باتساع خرق تدفق المهاجرين من الجنوب. الأزمتان مختلفتان من حيث المصدر والطبيعة والانعكاسات العاجلة والآجلة؛ لكنهما متشابهتان في إحداث ردود أفعال وأصداء غير متماثلة تجاههما في دول الاتحاد.
وفي السياق، ظهر أيضاً أن دول وسط القارة وشمالها، بدت أكثر استعداداً وجهوزية وأريحية في تحمل الأعباء التي تواجه الاتحاد داخلية كانت كالأزمة اليونانية أم خارجية كسيول المهاجرين واللاجئين من عوالم الجيران الجنوبيين.
رب قائل بأن أوروبا لا تواجه في مسألة اللاجئين قضية جديدة أو مستحدثة، وذلك على اعتبار أن السنوات العشر الأخيرة شهدت إطلالات قوية لهذه القضية.. غير أن هذا التقدير يظل صحيحاً بشكل جزئي.
فالمطلوب من أوروبا اليوم لا يتعلق بفتح الأبواب أو إغلاقها أمام بضعة قوارب تحمل عشرات المهاجرين؛ من أصحاب التطلعات إلى حياة أفضل اقتصادياً واجتماعياً أو حتى سياسياً. وهذه ظاهرة يمكن التعامل معها تحت شيء قليل من الضغوط، وبقدرة كبيرة على الانتقاء طبقاً لحسابات محدودة. إنما المطلوب هو معالجة ظاهرة تتجاوز مفهوم الهجرة والمهاجرين التقليدي إلى مفهوم اللجوء واللاجئين، والفارق بينهما كبير فقهياً وحقوقياً وسياسياً وأخلاقياً.
نود القول بأن الأعباء التي تلقيها قضية اللاجئين على الأوروبيين، تفوق بكثير من حيث الكم والنوع تلك الموصولة بالأزمة اليونانية أو بقضية الهجرة في صورتها التقليدية. مواجهة الأزمة اليونانية وضعت الاتحاديين الأوروبيين على خطوط التماس الفاصلة بين الأغنياء والأقل غنى داخل القارة.
أما أزمة المهاجرين الذين تضاعفت أعدادهم كثيراً وصار معظمهم لاجئين، فتتعلق بخطوط تماس أكثر تعقيداً: بين أغنياء الاتحاد وفقرائه؛ بين جنوبيين ذوي شطآن مستقبلة وشماليين بعيدين عن ملامسة أوضاع اللاجئين وهم في أوج لحظات البؤس؛ بين شرقيين يخشون منافسة اللاجئين في الكسب والعيش الرغد في بلدان الاتحاد الغنية المترفة، وغربيين أقل حساسية تجاه مثل هذه الفرص. ثم إن الأزمة وضعت الأوروبيين جميعهم في اختبار يمتحن خطاباتهم الفكرية الليبرالية منها والاشتراكية والروحية والأخلاقية والحقوقية.
علاوة على هذه المدخلات، هناك من أقحم على مسألة اللاجئين أبعاداً تتصل بمصير هوية القارة وأصولها العرقية الاجتماعية والدينية والمذهبية، مثل تصريح رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان بأن «الأوروبيين قد يصبحون أقلية في قارتهم».
ما ترك أثراً سلبياً في الإطار المجري الوطني، إذ سن البرلمان سلسلة من القوانين التي سوف تضع حداً لتدفق المهاجرين واللاجئين، تحت طائلة عقوبات رادعة تراوح بين السجن والطرد وإقامة الجدران العازلة.
وتقديرنا أن المسؤولين المجريين ربما كانوا يناورون للحصول على دعم أغنياء الاتحاد من ذوي القلوب الرقيقة، كما أنهم يداعبون عواطف الناخبين المتعصبين وطنياً؛ ذلك لأنهم يعلمون أنه لا مطمع للاجئين في المجر التي تشكل عندهم دولة ممر وليست بمستقر. لكن هذا التصور لا ينفي أن المجر وسواها من دول شرق القارة العجوز، يخشون حقاً من منافسة المهاجرين واللاجئين لمواطنيهم على فرص الكسب والعمل في دول وسط القارة وغربها.
السلطات البريطانية، الشهيرة بتشددها إزاء استقبال المهاجرين، راحت تخفف من إجراءاتها، مبدية استعدادها للتكيف مع المبادئ والأصول القانونية والأخلاقية، المعتمدة أوروبيا بهذا الخصوص.
قد يكون الأوروبيون معذورين في تمايز معالجاتهم للأزمة، لكننا نأخذ عليهم كثرة التناظر حول تداعياتها. ولو أنهم تأملوا ملياً في أسبابها ودوافعها وانبروا إلى التعامل معها، لكانت الكلفة عليهم أقل بكثير مما هو قائم راهناً ومنتظر في المستقبل.