بينما يخوض المبعوث الأممي برناردينو ليون سباقاً مع الزمن لتوحيد الفرقاء الليبيين وتجميعهم حول اتفاق الصخيرات لقطع الطريق على «داعش»، وأيضاً وصولاً إلى حكومة وحدة وطنية قبل العشرين من الشهر الجاري، يبدو من الأهمية التذكير بأن تدخل حلف الناتو ممثلاً للمجتمع الدولي لإسقاط نظام العقيد معمر القذافي في فبراير 2011 تطلب غطاء دولياً تمثل في قرار من مجلس الأمن، وعربياً وفرّته جامعة الدول العربية.

ويعني ذلك أنه كان من الضروري السعي وبمنتهى القوة لاستصدار قرارات فاعلة ونافذة لحل الأزمة الليبية. ولعل قرارات الجامعة في هذا الصدد تمثل بارقة أمل في إمكانية اتخاذ خطوات عربية عملية تجاه التدخل عسكرياً لتحجيم الإرهاب والجماعات المسلحة، والحيلولة دون سقوط ليبيا بأكملها في أيدي «داعش»، وحتى إذا لم يتم اتخاذ قرار بتدخل جماعي أو عن طريق تحالف عربي موسع، فإن خطوة الجامعة تفتح الباب على الأقل أمام أطراف عربية فاعلة وقادرة للتدخل النشط بما يدعم الدولة الليبية ويساعدها على مواجهة المخاطر البالغة التي تهدد كيانها.

هذه الحقائق جعلت مصر تتحرك في اتجاه الجامعة العربية، وفي اتجاه الأمم المتحدة للحصول على دعم عربي ودولي سياسي وعسكري للحكومة الليبية المؤقتة برئاسة عبد الله الثني وللقوات الليبية بقيادة الفريق خليفة حفتر، ورفع حظر توريد السلاح للجيش الوطني الليبي. وتهدف التحركات الدبلوماسية والسياسية المصرية إلى تجاوز العراقيل والصعوبات التي تجعل حساباتها معقدة جداً في التعامل مع الأزمة الليبية، خاصة بعد تطورات تؤكد تعثر تشكيل القوة العربية المشتركة حتى إشعار آخر.

فليس خافياً أن مصر هي أكثر دول الجوار، وربما أكثر دولة على الصعيد العالمي، تعرضاً لمخاطر جسيمة نتيجة ما يحدث على الأرض في ليبيا وتمدد «داعش» بشكل مخيف، وبالفعل ما لم يتم بناء موقف عربي ودولي قوي يحظى بإرادة سياسية حقيقية لمواجهة ما يجري في ليبيا أو على الأقل دعم الخيارات المصرية في التعامل مع الموقف بما يحجم ويقلص الإرهاب العابر للحدود، فإن المخاطر ستتفاقم وتتزايد بشكل يصعب احتواؤه، فضلاً عن التهديدات الصريحة والمباشرة للأمن القومي المصري.

وهناك شواهد عديدة تؤكد قدرة مصر على التدخل الفعال لمواجهة هذه المخاطر، وأكبر دليل على ذلك الهجمات الجوية التي شنتها المقاتلات المصرية على مواقع «داعش»، وتدمير أهداف إرهابية تابعة للتنظيم داخل ليبيا مطلع العام الجاري بعد قيام التنظيم بذبح عدد من المصريين الأقباط هناك.

وقد اتضح من قبل أن أطرافا غربية لا ترحب بالتحركات العسكرية المصرية المنفردة، وكذلك أطرافاً إقليمية تعتقد أن التدخل العسكري يمكن أن يؤدي إلى مزيد من التدهور في ظل حالة الانقسام القائمة بين الأطراف الليبية، وأن مثل هذه التدخلات قد تؤدي إلى تعطيل العملية السياسية الرامية إلى دعم اتفاق الصخيرات ووضعه موضع التنفيذ.

وأدى ذلك إلى تقليص الخيارات المصرية، ولكن أيضاً يجب عدم تجاهل الأوضاع الداخلية في مصر، فبرغم استعادة الدولة المصرية للأمن والاستقرار وقدرتها على العمل والإنجاز، ورغم وجود أجهزة أمنية عالية المستوى وقوات جيش قادرة على الردع ومواجهة المخاطر العالية، إلا أنه بالتأكيد من ضمن حسابات صانع القرار المصري تقدير الموقف بدقة، خاصة في وقت تخوض فيه القوات المسلحة عمليات كبرى داخل سيناء، وأيضاً عمليات متواصلة ضد الخلايا الإرهابية النائمة والنشطة في مختلف المدن المصرية.

وهي عمليات شاقة تستنزف الكثير من الجهود والقدرات المصرية، وبالتالي قد يكون من الخطر والصعب فتح جبهة ضخمة تمتد من أقصى الحدود الشرقية في سيناء إلى أقصى الحدود الغربية في ليبيا، وصولاً إلى الحدود الجنوبية مع السودان، أضف إلى ذلك الجهود الاقتصادية الكبيرة التي تبذلها الدولة للخروج من الأزمات الخانقة، وسط مواقف لاتزال عدائية من جانب بعض القوى الغربية المتربصة، التي تتعامل بازدواجية صريحة مع الأزمات المتشابهة أو المتماثلة، حيث تسمح بحرب التحالف الدولي ضد «داعش» في سوريا والعراق وتطلق يد تركيا للتصرف بحرية تامة في شمال العراق وسوريا، وتساند كذلك عملية عاصفة الحزم ضد الحوثيين في اليمن، إلا أنها تقف بشدة في وجه الدعم الخارجي خاصة من جانب مصر لمساندة الشرعية في ليبيا، بزعم عدم التحيز لطرف على حساب آخر رغم أن العصابات الإرهابية تعصف بالجميع.

ولكن من المؤكد أن الدولة المصرية لن تضحي بثوابت الأمن القومي في مواجهة تنظيم «داعش» وتمدده الخطير، ولن تتساهل تجاه تطورات تشكل خطراً جسيماً على أمنها واستقرارها خاصة على حدودها الغربية، ومهما كانت صعوبة الحسابات فإن مبررات البقاء أقوى بكثير جداً من أي تعقيدات داخلية أو خارجية، وقد يكون من بين إجراءاتها على سبيل المثال لمواجهة المخاطر المتزايدة إعلان حالة الطوارئ على الحدود الغربية، والدفع بأسراب من مقاتلات وطائرات حربية متنوعة المهام والخاصة بالقتال والنقل العسكري بجانب طائرات المراقبة والاستطلاع للقيام بمهام المراقبة، والتعامل على طول الحدود مع الخطر القادم من الغرب.