لا تستطيع أن تعرف حقيقة الرجال أو تخبر أصالة معدنهم أو شدة بأسهم إلا عبر المواقف الحاسمة، هذه المواقف تسمى المواقف الكاشفة وبخاصة إذا تعلق الأمر بقضايا وطنهم، كما أنه رغم الصعاب وما تتركه من آلام، غير أنه من المؤكد أن أمة لا يقابل أبناؤها التحديات ببأس وعزم هي أمة يفتقد أبناؤها الكثير، ذلك أن المواقف الصعبة هي التي تكشف عن القيم الحقيقية للشعوب، كما النار التي تنقي الذهب من كل ما دخل عليه، ليخرج أكثر نقاءً وأغلى ثمناً.
ولقد كان أبناء الإمارات دوماً عند الموعد، واتضح ذلك جلياً في الأيام الماضية، والتي أستطيع أن أطلق عليها، برغم صعوبتها، "عرس في حب الوطن"، زف خلاله خيرة أبناء الشعب، كيف لا وهم من قدموا أرواحهم في سبيله. إن شهداء الحق الذين ضحوا بدمائهم تلبية لنداء الوطن يكشفون بتضحياتهم اليوم كيف أنهم نذروا أنفسهم فداءً للوطن وولاءً لقيادته.
إن هذه الدماء الغالية، التي روت أرض العروبة، تكشف أن نهج الإمارات الثابت في الدفاع عن قضايا أمتها العربية من المحيط إلى الخليج، والتي لم تغب عنها يوماً، ومن يرجع إلى الوراء قليلاً سيجد الإمارات حاضرة دوماً، ولم تدر الظهر يوماً لنداء أمتها الإسلامية والعربية التي إذا أصاب الوهن بقعة منها تداعت لها وتآزرت معها، ورغم شدة المصاب إلا أن من يدقق في المشهد يدرك من اللحظة الأولى عظم التلاحم بين أبناء الإمارات قيادة وشعباً.
إن الشدائد تكشف عن معادن الرجال، وما قدمه أبناء الإمارات من أرواحهم تلبية لنداء الوطن، وما بذلوه من دماء زكية، بثت روحاً جديدة بين أبناء الإمارات وأسرهم، والشاهد ما قاله والد الشهيد محمد إسماعيل البلوشي إنه تلقى نبأ استشهاد ابنه بسعادة وفرح، ولم يكن للحزن مساحة في محيط أسرته وبين جيرانه، الذين توافدوا على منزله فور تلقي الخبر، لديه 9 أبناء 8 ذكور وابنة واحدة، مؤكداً أن الأبناء جميعهم رهن إشارة الدولة، وسوف تجتهد الأسرة على إلحاقهم بالخدمة العسكرية لخدمة الوطن الذي قدم وما زال يعطي أبناءه الكثير.
لقد توقفت كما توقف الكثير أمام ابن بار من أبناء الإمارات، وهو مازال في جراحه، يرجو من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أن يفك جبس قدمه ليعود إلى ربعه، إن تلك المواقف تكشف عن حقيقة أبناء الإمارات وعلاقتهم بقيادتهم، التي كانت حاضرة بين الجرحى تطببها، وفي بيوت الشهداء تشد من أزر أسرهم في مشهد أبوي ندر أن ترى مثله، فإذا بذويهم أبطال كما الأبناء، وآية ذلك والشاهد عليه تلك الصلابة التي أبداها آباء الشهداء وأبناؤهم.
لقد توقفت طويلاً أمام كلمات الوالدة الكريمة التي أكدت فيها أم الشهيد أن دم ابنها ليس أغلى من الوطن، مشيرة إلى أن حزن الفراق يكون على من توفاه الله بصورة أو أخرى ولكن ليس على الشهيد الذي ينال الكرامة والشرف في الدنيا والآخرة.
تلك هي المرأة الإماراتية التي تكشف عنها المحن فتتحول إلى منح ودروس مدادها العطاء، إن أماً تؤمن بتلك المبادئ جديرة هي لا شك أنجبت رجالاً بحق، فكانت حياتهم حباً لوطنهم واستشهادهم في سبيله فأنعم بها وأكرم. وتلك هي المرأة الإماراتية التي نعتز بها وبمن ربت ورعت وبما قدمت وبذلت فكانت شقيقة للرجل في ميدان البناء، ولم ترتضي إلا أن يكون لها نصيب في ميدان العزة والشرف.
إن صور جنازات الشرف والعزة التي شملت ربوع الإمارات وما قدمه فلذات أكباد الوطن تاج عز على جبين الوطن المعطاء، الذي يستحق بذل الغالي والنفيس زوداً عنه في المنشط والمكره، وأن شهداء الوطن أضحوا قناديل تضيء دروب العزة والفخار، وقدوة يحتذى بها لأبناء الإمارات ولأمتهم الإسلامية والعربية، وتجسيداً لقيم التجرد والثبات على المبدأ ونصرة الحق التي ترسخت في دولة الإمارات منذ عهد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ومن تربى في مدرسته وحمل الراية من بعده.
إن الوطن المعطاء لم ولن ينسى تضحيات أبنائه، وستبقى تضحياتهم خالدة محفورة بمداد من عطاء، وتضحية يشع منها نور الكرامة والعزة، وسيظل أبناء الإمارات يتسابقون على الالتحاق بمصنع الرجال، قواتنا المسلحة ميدان الفخر والشرف.