للحكاية بقية

ت + ت - الحجم الطبيعي

نبهت نفسي قبل الكتابة. وأنبه القارئ قبل القراءة للمبدأ القانوني القائل: المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ألتزم بهذا مهما كانت خطورة الجرائم، وتأثيرها على وجداننا. ومهما كان قدر الألم المتسبب من ارتكاب الجرائم والدهشة الناتجة عن متابعتها.

اكتشفت وأنا أتابع ما يجرى لبلدي ملمحا واحدا يمكن أن يجمع بين المتهمين الثلاثة: الوزير والوسيط وبطل مكافحة الفساد.

الوزير لم أشاهد له صورة إلا وهو يرتدي الجلباب المصري. وبالمناسبة فهو الزي القومي لأهل مصر منذ ثورة 19. أعتز وأفخر أن أهلي يرتدون الجلباب. وأعتبره علامة على الأصالة. ورمزاً للارتباط بالوطن. لم أر له صورة إلا وهو خاشع في المساجد.

وإن كان في مكتبه. فإن المسبحة لا تفارق يده. لكن أخطر من هذا كلامه عن الفساد. وتلك فقط عناوين لما قاله الوزير خلال وجوده في الوزارة رغم قصر المدة. وما توصلت إليه مما قاله الوزير أقل بكثير مما نسب إليه.

إعلان الحرب على الفساد بوزارة الزراعة. الوزير يرحب بأي نصائح تمكنه من محاربة الفاسدين. "اللي عايز يركب معايا المركب أهلا وسهلاً. واللي يركب المركب ويطلع فاسد حافرمه".

إنشاء لجنة لمحاربة الفساد بالوزارة ولخطورة اللجنة وأهمية دورها. فاللجنة سوف تكون تحت رئاسة الوزير شخصياً ولن أستريح - يكمل الوزير – لو تولاها أي مسؤول آخر. فتلك مسؤوليتي أنا أولاً وأخيراً. الفساد الإداري وعدم المتابعة هو الذي يولد الفساد المالي. ومعرفة الداء أقصر طريق لمعرفة الدواء. أجندة لمكافحة الفساد المالي والإداري داخل وزارة الزراعة

يقول الوزير الذي لم يكف عن القول يوماً واحداً منذ دخوله الوزارة وحتى لحظة القبض عليه: لا بد وضروري أننا نسرع في وضع خطة تنفيذية موحدة لمكافحة الفساد ضمن خطة الدولة لمكافحة الفساد. لن نرحم فاسداً وسنتعامل بكل شدة مع الفاسدين. أحلت عدداً من قيادات استصلاح الأراضي للتحقيق بتهمة الاستيلاء على 6.5 ملايين جنيه. الوزارة فيها قيادات فاسدة صرفت لها حوافز وصلت لـ 42 مليون جنيه.

الوسيط قصة أخرى تتحدى كتاب الروايات وأصحاب السيناريوهات ومن يبدعون المسلسلات التليفزيونية بأنه تجاوز حتى خيالهم وقدرتهم على الخلق والإبداع. الوسيط يكتب مقالات في الصحف المصرية. ويصف نفسه بالإعلامي الكبير. وتلك بعض عناوين مقالاته الكثيرة.

القمامة تهز عرش المحافظة وتكشف فساد المحليات. حسام كمال الطيار الذي أقلع بمصر للطيران نحو التفوق. هذا هو وزير السياحة قليل الكلام قليل العمل. مشروعات رجال الأعمال يطاردها شبح الفساد. هل تعرفون ما هي حجر العثرة أمام التنمية؟ إنها الفساد ثم الفساد ثم الفساد ثم الفساد.

الوسيط عندما تم حبسه في أواخر تسعينات القرن الماضي. قلنا إنه تعبير عن مرحلة. ولكن الخطير في الأمر هو الاستمرار. إعادة إنتاج الذات. القدرة على أن تمسك قلماً وتضع أمامك ورقاً أبيض وتدون عليه بحبرك الأسود كل ما لا تجرؤ على القيام به.

ولا تستطيع القيام به. بل ولا حتى تفكر في عناء القيام به. أما المناضل ضد الفساد. رئيس الجمعية المصرية لمحاربة الفساد. فلم أشغل نفسي كثيراً بالجري وراء ما قاله. والخطب التي ألقاها. والدور الذي قام به.

لأنه عندما يكون العنوان كافياً لا جدوى من الجري وراء ما تحت العنوان. فالرجل كان رئيس الجمعية المصرية لمكافحة الفساد. وأعترف أنني سبق أن أعجبت ببعض ما قام به. وتصورت أنه سيف مسلول ومدفع مصوب لكل فاسد على أرض مصر. القضية الأخطر ثنائية الشخصيات الثلاث.

هذا إن كانت ثنائية فقط. كيف يطلق الأول التصريحات النارية نهاراً ثم يجري وراء فضلات ما يمكن أن يحصل عليه ليلاً؟ ألا تلتقي الكلمة مع الفعل في وجدانه؟ ألا يحاسب نفسه ليلاً قبل أن يأتيه النوم المستحيل على ما يقوله وتناقضه التام مع ما يقوم به؟ أم أن الضمير عندما يموت، قل على الدنيا السلام؟.

 

طباعة Email