منذ رَوَت دماء شهدائنا الأبطال تلال اليمن ووهاده والإمارات لم تعد هي الإمارات، كنّا نرى أننا نتّبع النور فوجدناه يتأجّج من تلك «اللحى الغانمة» وفوّهات بنادقها التي لا تعرف سوى الصفوف الأول..
كُنّا نظن أنّنا نزرع الخير ما وجدنا لذلك سبيلاً فوجدنا الخير هو من يزرعنا ونثمر له ثمراً طيباً من دماء الأبرار و«فزعاتهم» التي يُحجِم عن مثلها غيرهم من أدعياء الرجولة، هناك شيء جديد فُتحت أكمامه مع تلك الدماء الزكية، روحٌ عجيبة تكاد تراها في الوجوه، تكاد تستنشق عَبَقها في الطرقات، تكاد تسمع نبضاتها في صمت كل مجلس، تكاد تذوق طِيبها حتى في رشفة الماء!
لا صوت أصبح ينطق إلا بحب الوطن، ولا شاغل يستولي على الأذهان سوى حماية هذا التراب الطاهر مهما كلّف الأمر، ولا حديث يلفّ المجالس ما صغر منها عُمراً وما كَبُر إلا التباهي بالشهداء والفخر بأبناء الوطن الذين يسطرون ملاحم مجد مؤثل في اليمن بعد أن حاول المرجفون ردحاً من الزمن أن يتهموه بأنه جيل السلبية والتبعية والاتكالية.
اختفت تماماً كل الاهتمامات الأخرى ما خلا الإمارات وأبطالها، وبهتت كل الألوان ما عدا ألوان راية الوطن الأربعة، وهُجِرَت كل الأحاديث، فلا تسمع أحداً يتحدث عن مباريات ولا معارض ولا جديد أسواق، حتى الطُرَف غابت عن رسائل الموبايل المتداولة، ولم يَعُد يُستساغ من الشعر إلا ما كان في الوطن ولأبطاله من قضى منهم ومن بقى.
الأمر كما قال المولى سبحانه: «فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً»، فما نراه ونشعر به لا يمكن أن توجده آلاف المقالات والخطب والمحاضرات، بل هي الحوادث المؤلمة التي تكشف الفرق بين الشعوب العظيمة وما سواها، فلم أرَ في حياتي مثل هذا التراحم والتمازج بين أطياف الشعب كما أراه اليوم..
فالجميع يتحدث عن الشهداء وكأنهم أبناؤه، والجميع يعزي نفسه ثم يُهنئها بشرف الشهادة ونصرة الضعيف، ووسائل التواصل الاجتماعي تكاد تغرق من التغاريد الفخورة ببطولات جنودها ومجد شهدائها..
وفي كل مجلس عزاء أو غرفة جريح كانت قيادتهم العطوفة بهم تُقبّل الرؤوس وتحتضن الصدور وتُشاركهم مُصابهم وتُشاطرهم فخرهم، وعندما كان «بو خالد»، حفظه الله، يقول بنبرته الواثقة المحببة للقلوب: «ثارنا ما يبات، ووالله يا ناخذ ثارنا مرضوف» كانت صقور الإمارات ورفاقهم في قوات التحالف تدكّ أوكار الحوثيين وعفّاش دكّاً في صنعاء.
نحن دعاة سلام وسفراء تسامح وكفوف خير لا تتوقف عن العطاء غير المشروط، ودولتنا تتصدر قائمة أكثر الدول ذات المساعدات الإنسانية وبفارق هائل عن البقية بفضل الله ثم بياض قلب قيادتها الرشيدة وإنسانيتها العالية، ولكن الكريم لا يُخدَع والحُرَّ لا يُؤتى على حين غِرّة من أراذل البشر.
هي حرب لم نخترها لا نحن ولا أشقاؤنا في التحالف بل لم يخترها اليمنيون أنفسهم، ولكنها فُرِضَت عليهم فرضاً وأصبحت الخيار الوحيد لإنقاذ اليمن والخليج من أن يُباح ترابه ودماء وأعراض شعوبه لإيران وأذنابها ممن لا يرقب في مؤمنٍ إلّاً ولا ذِمّة..
ولكم حاولت معهم قيادات الخليج المحبة للخير وجلسوا معهم على طاولات الحوار كثيراً وأخذوا منهم المواثيق فغدروا بها كلها، وما مجازرهم البشعة التي ارتكبوها ضد اليمنيين العُزّل في كل مدينة وقرية طهّرها التحالف منهم إلا بيان دامغ لأي درجة من الدناءة هم على استعداد للنزول إليها
عندما يمر قلب الإمارات الكبير «بو خالد» على أبطالنا الجرحى للاطمئنان عليهم ويرى ونرى معه كل تلك الفورة والحماس واستباق الأيام منهم للعودة من جديد لميدان المعركة، فإنّ ذلك لا يدل فقط على شجاعتهم وحبهم لبلادهم ونصرة إخوانهم، ولكن لأنهم عرفوا عن قُرب خطورة ذلك العدو ودناءته ودمويته التي لا تعترف بمواثيق أو معاهدات..
فضلاً أن يمتلك أخلاقاً نبيلة أو بَقيّةَ إنسانية، فهم يريدون الذهاب حتى لا يتركوا لذلك العدو الطائفي أدنى فرصة لكي يغتال بسمة أطفالهم هنا وفي بقية دول الخليج إن لم تُستأصل شأفته ويُنتزع شرّه من جذوره، فحجرٌ يُرمى في أوانه خيرٌ من ذَهَبٍ يُغدَقُ بعد فوات الأوان!
إنّ الشر في اليمن «الحزين» مفتعل، والدماء التي سُفِكَت من عصابات الحوثيين وعفّاش كانت نَزَقاً بربرياً دخيلاً لا تعرفه أرضٌ قال عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم «الإيمانُ يَمان»..
وما كان ذلك ليحدث لولا دخول أجندات دولة معادية على المشهد اليمني تؤازرها عصاباتٍ طائفية مُندسّة تم تدريبها في الجزر الأريترية لسنوات عدة من قبل الحرس الثوري الإيراني من أجل بث الفوضى ونشر الخراب وتحويل اليمن لدولةٍ فاشلة ليتسنى تمرير الفوضى لبقية دول الخليج المسالمة ثم نجد أنفسنا في عراقٍ آخر، ليس له من العروبة إلا الاسم، ولا من الحق إلا الرضا بالعبودية والذل والمهانة.
إن أبطال الإمارات هناك ورفاقهم من السعودية والبحرين يُسطّرون ملحمة خالدة وبمرحلة مفصلية من تاريخ أُمّتنا، بعد أن زاد الخون وكَثُرَ المتآمرون وتقلّبت القلوب، فهم يحمون اليوم من أن يُحرَق خَضاره المورق، ويحمون الغد من أن تغتاله بنادق الغدر وجيوش الظلام ونندم عندما لا ينفع ندم، هم عزيمة لا تكسرها رصاصات الهمج، وثبات لا تفتّ عضده خيانات متآمر، وسموّ لن يُنْزِلَهُ من عليائه مستنقعُ مرتزق.