فاطمة ابنة عمي أصبحت ألمانية وعائشة ابنة خالي هولندية، حسن جارنا نمساوي ومحمد إسباني، يزورون بلدهم بين وقت وآخر بجوازات سفر «بلادهم» الجديدة. يحدثوننا عن الرفاهية والعمل المتوفر ونظام التأمين والتقاعد والحدائق، وعن الحكومات التي تعمل موظفة لدى الشعوب، وعن رئيس الوزراء الذي يذهب للعمل على دراجة، ووزير التعليم الذي استقال لأن تلميذاً تعرض لحادث سير في شارع المدرسة.
يسألون بشغف عن أبي شفيق الدكنجي وسمير الفران وفوزي بياع غزل البنات وأبو حسن الخضرجي ويبدأون بتذكر البلد الذي هاجروا منه في الخمسينيات والستينيات حين فتحت دول أوروبية بوابات الهجرة للأجانب من الشباب ليحلوا مكان شبابهم الذين قتلوا في الحرب العالمية.
هل عادت أوروبا، وبخاصة ألمانيا، بحاجة إلى عمال من دون أن تخوض حرباً على أراضيها؟ هل تم التخطيط لهجرة السوريين والعراقيين الحالية وهي الأكبر في العصر الحديث، علاقة بالحروب التي تجري في البلدين، وهل يفسر الوضع الحالي بعضاً من لغز ظاهرة «داعش» وما سمي بالربيع العربي؟ وهل تعني الهجرة أو بمعنى أدق التهجير تفريغ المنطقة لقادمين جدد إلى «إسرائيل الكبرى»!
لقد عرف البشر الهجرات منذ بداية وجود الإنسان على الأرض . وكان لكل هجرة سبب ومبرر، إما سياسي أو اقتصادي أو لأطماع توسعية ورغبة بالتمدد والسيطرة على ثروات الغير. من هنا أصبحت بريطانيا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وفرنسا الشقراء احتلت نصف القارة السمراء، وتمددت إسبانيا والبرتغال إلى أميركا الجنوبية بحثاً عن الذهب الأصفر ولتستمتع بالكاكاو وتصنع شوكولاه فاخرة لنساء غرناطة التي كانت ذات زمن عربية.
ويقول المؤرخون إن الحقبة الزمنية الواقعة بين عامي 300 و900 ميلادية شهدت العديد من الهجرات في وسط القارة الأوروبية من القبائل الجرمانية والسلافية كالإفرنج والفاندليون والقوط وهي قبائل كانت تعيش في قاره أوروبا..
وكان السبب الرئيسي لهجرة هذه القبائل هجمات من قبل قبائل أخرى كانت تعرف بالهون وهم مجموعة من الرعاة الرحل، الذين ظهروا من وراء نهر الفولجا وهاجروا إلى أوروبا حوالي 370 ميلادية ويقول المؤرخون إن قبائل الهون هم أسلاف الأتراك وكانوا يتخذون من المجر عاصمة لهم ويقال إنهم هم من قضوا على الإمبراطورية الرومانية بعد معركة من أعظم معارك التاريخ القديم وهي معركة شالون خسر فيها أتيلا خسارة جزئية..
فقام بالانسحاب ليلاً من فرنسا نحو ألمانيا، ليعود في العام القادم بحملة عسكرية عنيفة على إيطاليا (عقر بيت الرومان) واجتاح أتيلا شمال إيطاليا وسقطت أمام جيوشه مدنها تباعاً حتى هرب الإمبراطور الروماني واضطر لعقد صلح مع اتيلا الهوني ملك الهون.
أما الهجرة الضخمة في القرن الخامس والسادس والسابع عشر فهي التي نزحت فيها شعوب من العالم القديم إلى الأميركيتين. وكان هدفها في البداية الهروب من الفقر والأمراض والأوبئة في القارة العجوز. ثم تبعتها حملات عسكرية بعد اكتشاف الكنوز والأراضي الشاسعة الصالحة للزراعة وتكوين المستعمرات، وحين هاجر الأوروبيون جلبوا معهم الملايين من الإفريقيين ليعملوا كعبيد معهم في زراعة الأراضي أو كعمال مناجم وخدم وكانوا يهجرونهم في مراكب نقل كبيرة وبصورة غير آدميه وكانوا يموتون بالآلاف.
يقول فرانك ديفيل متخصص في علم الاجتماع وبشؤون الهجرة والمهاجرين إنه قبل موجات الهجرة الحالية كان يعيش ويعمل في أوروبا ما بين 4.5 ملايين و7.5 ملايين مهاجر بصورة غير شرعية، إلا أن كثيراً من هؤلاء يعملون في المواسم أو يتنقلون عبر الحدود الدولية.
وبالنسبة لألمانيا فإنه من المتوقع أن يصل عدد الأفراد المتنقلين محلياً أو عبر الحدود الدولية في السنوات العشر القادمة إلى ما يقرب من 40 مليون فرد، أو ما يعادل 50 بالمئة من حجم السكان؛ أما بالنسبة لبريطانيا فإن التوقعات تشير إلى أن هذه النسبة ستبلغ 10 بالمئة. من ناحية أخرى هناك دولة مشاركة في الاتحاد الأوروبي لا يزيد عدد القاطنين فيها على 1,6 بالمئة من مجمل سكان الاتحاد. فمنذ عام 1985..
أي منذ اندلاع العولمة، أخذت الهجرة على مستوى العالم تنمو ببطء مقارنة بنمو عدد السكان. في عام 1985 كان حوالي 2,5 بالمئة من سكان الأرض يقيمون في دولة أجنبية؛ في عام 2005 ارتفعت هذه النسبة فبلغت ما يقرب من 3 بالمئة، أو ما يعادل 175 مليون فرد. وإذا كانت أوروبا قد اتصفت في زمن ما بعد العصور الوسطى بنزوح بعض مواطنيها إلى بلدان وأقاليم أخرى، إلا أن أوروبا أصبحت حالياً قارة تستقطب المهاجرين.
هل أوغلنا في التاريخ فنسينا المهاجرين من الموت حرباً في بلادهم إلى الموت غرقاً في بحار المنافي؟ وهل تُمحى صورة الطفل السوري الغريق الذي ابتلعه البحر وتجشاه على شط الغربة؟ وأولئك الذين ماتوا اختناقاً في شاحنة على قارعة طريق في النمسا؟
لم ننس، فموجات الهجرة ما زالت تصفعنا وها هو التاريخ يمد لسانه لنا يضحك منا ويقول: تباً لكم كم تنسون!!