في حياتنا العادية نحن بني البشر، لا ندرك كم هو الموت ماهر في التخفَّي أو التربّصْ إلا بعد أن يباغتنا ويخطف أحبتنا،  غير ذلك غالبا ما ننساه  في معترك سنين شبابنا ونتناساه في هدأة شيخوختنا، لكن الحقيقة المُرّة أن هذا الموت لا يغيّر من تربّصه ولا يكف عن  تنكّره، فنرى الموت وكأنه الوحش الذي يرقب فرائسه عن بعد وهي تسعى في مناكب الأرض لتأكل من رزقها وتشرب من مائها، ونحن بني البشر فريسته الموجعة إذا أننا منذ الأزل سعاة رزق وعطش دائم وفوق كل هذا ندرك حجم المصاب الجلل.

ولكن ثمة أمر مختلف يكسر هذا الواقع ويروّض هذا الموت قبله وأثناء وبعده.  فأن نلقي بسعينا اليومي الحياتي خلفنا غير آبهين بالخسارة مهما كانت، وأن ننفض عنا إغواء الأرائك المريحة، وأن نكسر كؤوسنا المليئة بالماء البارد المنعش، وأن نذهب دفاعاً عن الوطن فنهاجم الوحش المتربّص في عرينه، ونمضي  بهمّة القادر المقتدر وبمباركة الوالدين، ووداع الإخوة والأخوات والأبناء،  مدججين بالعزيمة، وبرسوخ الأقدام التي استمدت ثباتها من غبار أرض الوطن وقدسيته... وأن نذهب بإقدام دون تَردد أو وجَسْ؛ هنا، وهنا في هذه الحالة فقط،  يَصْغر الموت مهما كبر الوحش وبرزت أنيابه، وهنا فقط، يصغر الوحش مهما كبُر الموت واختلفت ألوانه وتَلوّنه وزوايا تربّصه.

فما بالك إذا، إذا كان الجندي المقاتل المدافع ليس وحده في ميدان الدفاع عن الحق، فمعه كل الحق، ورفاقه المخلصون، ومعه قادته المحبون، وصلوات المظلومين، والمشرّدين، والمنكوبين، والمهجّرين، ما بالكم وقد تجَسّدت فيه كامل القيم فنبتت وأزهرت في كفيه فضائل وشمائل يُسْتَدلّ بها على الحق والخير والجمال، كيف لا! وقد  رفع الجندي بدمه مدماكاً جديدا أثرى فيه مَعَاني التضحية والسمو والإباء، واختزل رفعة الوطن بأكمله  في بزته العسكرية الملوّنة المضرّجة بالدم.

بعد استشهاد نحو 45 جنديا إماراتياً، فاضت قنوات التواصل الاجتماعي بالحزن العميق بالمصاب والفخر العارم بالتضحية  والإصرار الأكيد على الانتصار، عمّت هذه القنوات وهي الحس النابض لأي مجتمع بعبارات المواساة والدعم والتضحية،  وازدحمت أبواب المستشفيات بمن تقاطروا  شبابا وشيبا، رجالا ونساء للتبرع بالدم للجرحى والمصابين، وهي إشارة دامغة وعميقة إلى أن الوطن كبير كبير كبير، وأن الموت صغير في سبيله، وأن ذلك الوحش المتربص عقيم  الحياة لا يقوى على الاستمرار، وضعيف في عينيه التي لا تبصر سوى الشر بينهما، وأنه لا يخيف من عَقدَ العزم دون رجعة أو تردد أو هِنَة، أو تراخي.

بعد أيام من الحدث الأليم الذي وقع على أرض الوغى، الشقيقة اليمن،  قابلت جنديا، لطالما قابلته في السنوات السابقة في غالبية الصباحات عند باب المدرسة في إحدى إمارات الدولة، فكنا نتبادل التحَايَا السريعة كغرباء. كان دائماً يأتي مرتديا بزته العسكرية مصطحباً ابنته ذات السبع سنوات من عمرها إلى باب المدرسة. يحنو عليها كل صباح ويودّعها فَيَقبّل وجْنَتيْها، وتقبّل هي جبهته أسفل الشعار على رأسه.  كان بالنسبة لي في الأعوام السابقة رجلا عسكريا عادياً جداً، مثلنا جميعاً، نتشابه في يومياتنا... جميعنا نصطحب أبناءنا فنودعهم مدارسهم صباحا ونستقبلهم عند خروجهم من المدرسة، ونوصيهم بالاجتهاد والالتزام بتعليمات المدرسة وقوانينها والإنصات إلى المعلم واحترامه.

ولكن هذا العام ومع هذه التضحيات وهذا الألق وذلك النور المنبعث من المعنى المكثف والعميق للتضحية وأوجه الفخر التي اكتنزتها هذه البزّة العسكرية المضرجة بدماء الشهداء، أصبح المشهد اليوم مختلفاً على الرغم من أن لا شيء قد تغيّر لدى هذا الجندي، فالعسكري ببزته مع ابنته على باب المدرسة  هما ذاتهما... لا تغيير ولا تبديل. ولكن  صباح اليوم غير عادي وليس كسابقه من الأيام إلا  ما صعد فيه شهيد. فهذا الجندي ببزّته حضنني وحماني وآزرني عن بعد  وبقوّة ومن غير لا يدري.  فقد علا شأنه وكبرت قامته  وامتد مقامه، واتسعت هامته، فمعه استحضرت أولئك الذين ضحوا بأنفسهم فداءً من أجل الوطن،  وكتبوا وصاياهم الأخيرة بوضوح دون ارتعاشة، فقبضوا على أقلامهم كمن يقبض على زناد سلاحه، ومضوا فَرِحين أشمّاء مع رفقائهم لهم من بلدان أخرى يقاتلون الظلم، مضوا نشامى كما يحلو لرفقائهم الأردنيين في الميدان أن يسمّونهم. هيبة من نوع خاص سَرَتْ في داخلي وأنا في حضرة  تلك البزّة المموّه بألوان أرض الوطن.

وبينما أودع ولدي مدرسته وأوصيه وأنحني إليه وأقبّله. كان الجندي إلى جهة يميني، يفعل ذات الشيء إذ رأيته يهمس في أذن إبنته، وانحنى إليها ليقبّلها فتدلّت من عنقه تلك القطعة المعدنية المعرّفة له كجندي، فأمسَكَت بها وداعبتها بكفّها وأعادتها إلى داخل بزّته، وقبّلته وابتسمت ودخلت المدرسة، وقف لوهلة وودّعها بنظرته،  ومضى.  وأنا ما زلت أرقبه من بعيد وأستحضر المعاني والرموز الجديدة المختزلة والمكثفة التي نثرها حولي ذلك الجندي ببزته، عندها أدركت أن هذا الجندي لم يكن أبدا عادياً بمكانته الملهمة وتضحيته، غادر هذا الجندي مسرعاً ومستنفراً،   وبينما أتأمل بزّته وألوانها تموج مع كل خطوة سألني ولدي، هل تعرف ذلك الرجل يا أبي؟ أجبته لا أبدا، لا أعرفه أبداً، ولكنه صديقي المفضّل وحليفي وحليفك إلى الأبد.