أزهري فى روسيا 2

ت + ت - الحجم الطبيعي

أعترف أنني كتبت قصته في المقال الماضي مبتورة.

قلت لنفسي: من يذكر الطنطاوي الآن؟ ومن يعرف حكايته؟ ومن يرغب في القراءة عنه؟ لكن تقديراتي كانت خاطئة، لأنه ما إن نشر المقال حتى توالت الاتصالات عن الشيخ الطنطاوي، ما أكد لي أن الرجل يستحق وقفة. قالت لي الدكتورة مؤمنة كامل، أستاذة التحاليل بكلية طب جامعة القاهرة، أن ما كتبته عن الشيخ محمد عياد الطنطاوي، أكد لها معنى كانت مترددة في أن تؤمن به بشكل نهائي، ألا وهو، أن ضحايا التاريخ أكثر من أن يحصيهم العد.

قلت لها إنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح. وأن الإنصاف، وإن بدا مستحيلاً في بعض الأوقات، فإننا نقدر نحن البشر أن نجعل منه أمراً ممكناً، بشرط أن نتصف ببعد النظر، وأن نؤمن بمقولة محمود دياب الروائي والكاتب المسرحي المصري المظلوم حياً وميتاً، إن الظلال تكمن دائماً في الجانب الآخر.

ثم تلقيت اتصالاً من الدكتور حسين الشافعي. وأعقب الاتصال بهمة ونشاط يحسد عليهما، ومن النادر أن نجدهما في سلوكنا وتصرفاتنا مطبوعات كثيرة. وحكاية حسين الشافعي تستحق أن نتوقف أمامها في ما بعد. المهم الآن، أن نستكمل ما جرى لأسرة الطنطاوي بعد رحيله عن الدنيا.

بعد وفاته تساءلت: وماذا عن أسرته التي كونها في الغربة؟ في 19 مايو 1850، ولدت زوجة الطنطاوي ولداً أسموه «أحمد»، ولأن زوجته «أم حسن»، توفيت قبله، توسل الطنطاوي في 17 أكتوبر 1860، أن يقبلوا ابنه في داخلية إحدى المدارس الوسطى على حساب الدولة الروسية، بسبب مرضه ووفاة زوجته.

وبعد وفاة الطنطاوي، توسل عميد المدرسة الداخلية لدى أولي الأمر، أن يبقى معاش الطنطاوي لابنه، وصار الوصي الرسمي على «أحمد»، الأستاذ كسوفتش، الذي عرض سنة 1870 باسم أحمد على جامعة بطرسبرغ، شراء مجموعة مخطوطات الطنطاوي، وقد اشترتها المكتبة سنة 1871. استوطن أحمد الطنطاوي روسيا، وقدم في 30 سبتمبر 1872 طلباً باعتباره تابعاً عثمانياً إلى إدارة الجامعة، لتعطيه سجل خدمة أبيه، ليقدمه للإدارة الروحانية المسيحية في بطرسبرغ لأداء القسم، ليستطيع الحصول على التبعية الروسية، وتوفي أحمد في أواخر القرن التاسع عشر، ودفن في جبانة المسلمين، حيث سبق دفن أمه وأبيه، وجبانة المسلمين كانت موجودة في قرية فولكوف القريبة من بطرسبرغ، ولكن الزمان محا آثار قبر أم حسن وأحمد، ولم يبق سوى قبر الشيخ الطنطاوي.

وفى 23 أبريل 1886، قدم الوصي سولفيوف، طلباً إلى إدارة الجامعة، لكي يعطوه وثيقة عن الطنطاوي الابن، ليقدمها لمجلس الإشراف، لإدخال حفيدة الطنطاوي «هيلانة» في طبقة الأشراف، حتى يمكن تربيتها في دار أيتام الأشراف. وهكذا، نكتشف أن حفيدة الطنطاوي أصبحت مسيحية، ونفاجأ بضياع آثار أسرة من بلاد الأهرام الدافئة، في أصقاع روسيا الباردة.

مات الطنطاوي ظلماً واغتراباً، ولكن الهم والإنكار، يصر أن يطارده بعد رحيله، كما يحدث عادة للمظاليم، ولكنه كان ضيفاً ثقيلاً غير مرغوب فيه في حياته. في سنة 1940، كتبت سافيليف: «إن اسم الطنطاوي معلوم لدى كل من يدرس العربية، مع أنه لم يؤلف شيئاً». وكتب غويفوريف: «إن تدريس الشيخ الطنطاوي، لم يترك أي أثر في روسيا، والدور الأساسي الذي لعبه كان في الاستشراق الفنلندي».

أما الدكتور أغناطيوس كراتشوفسكي، مؤسس الاستشراق في روسيا، فقد وضع يديه على قدر الطنطاوي ومأساته معاً، في كتابه الجميل الذي ألفه عنه، وتأليف هذا الكتاب حدث مهم لمن يعرف قدر الرجل، في روسيا والعالم، والكتاب عنوانه: «حياة الشيخ محمد عياد الطنطاوي». تأليف: أغناطيوس كراتشكوفسكي، ترجمه إلى العربية: كلثوم عودة، وراجع النص العربي وحققه وعلق عليه: عبد الحميد حسن ومحمد عبد الغنى حسن، ونشره المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية سنة 1964. ولولا هذا الكتاب، ما كان ممكناً كتابة هذا المقال عن الشيخ الطنطاوي.

يقول كراتشوفيسكي في كتابه:

- «كان الطنطاوي معاصراً لأغلبية رجال النهضة الأوروبية البارزين في القرن التاسع عشر، لكنه سار على خط غير الذي سار عليه معاصروه المشهورون، لقد بقي في عزلة عن الحركة العامة، ولم يشترك فيها، أو يؤثر في تطويرها، كان الطنطاوي ربيب الأزهر، حيث كانت التقاليد الكلامية ثابتة في ذلك الحين، ولكن الطنطاوي كان بعيداً عن دائرة صحافيي ذلك العهد، الذين تحلقوا منذ سنة 28 حول الجريدة العربية الأولى، وقد انضم الطهطاوي لهم، ويتساءل: ولا ندرى كيف يمكن أن نكيف حياة الطنطاوي، لو لم يرحل إلى روسيا وله من العمر ثلاثون سنة»؟!.

هل هناك ظلم يتعرض له إنسان أكثر من هذا؟

طباعة Email