كانت الشاشة الفضيّة أمامه تكاد تتلطخ بالدماء، ومشاهد القتل الوحشية لتلك الفرقة المارقة تتعدّى كل نزقٍ سادي همجي، وما بين مسجدٍ يُفجّر بحزام ناسف يرتديه من فقد كل إنسانيته وبين أُناسٍ أبرياء بملابس برتقالية تُحَزّ رقابهم بالسكين أمام الجميع حزّاً كان الشذوذ الوحيد هو تلك التكبيرة التي تُغلَّف بها كل جرائم الخزي البربري الذي امتهنته تلك الوجوه العابسة والتي لا تُذكّر الإنسان إلا بالشر المستطير والقلوب التي لا تعرف ديناً ولا خُلُقاً ولا يوجد بها مثال ذرة من مروءة وخير!

كانت عيناه تلمعان ببريق مختلف رغم أن لسانه يحاول مجاراة مَن حوله بالحط من فرقة الخوارج تلك والتبرؤ إلى الله مما تفعل، بريقٌ تؤجج شرارته تلك الصورة المختزنة في عقله الباطن للحُلُم الذي غُرِسَ فيه سنين طويلة بكتب ومقالات ومحاضرات يوتوبية عن عودة الخلافة وتحرير فلسطين واستعادة الأندلس، فها هي الوجوه كثة اللحى ذات العمائم والبنادق والرايات السود ..

والتي يستدعي أصحابها عمداً حديث الرايات السود الآتية من خراسان ويُزيّن وسطها خَتْم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم وأجلّه المولى منهم، كانت نفسه تحدثه بأنّ البدايات لا بُد أن تكون صعبة،...

ولكن مع الوقت سيخفت صوت البنادق وسيحمل أصحابها معاول البناء لترميم ما نسفوه وما خرّبوه، ومع الوقت سيترك صانع الأحزمة الناسفة صَنْعَتَهُ ليزرع الورد والياسمين .

ويذهب لتوزيعه على بيوت العائلات المكلومة والأرامل الثكالى والأطفال اليتامى الذين اغتالت أحبابهم قنابله الغادرة وهم ما بين راكعٍ وساجد، ومع الوقت سيترك ذلك الجِلْف سِكّينه التي تعبت من حز رقاب الأبرياء والمسالمين والمعاهدين ليعمل في روضة أطفال يقرأ بها للصغار قصص الخير وكيف أنّ الله أدخلَ بغيّاً الجنة لأنها سقت كلباً شربة ماء!

تذكّر أنه وعد أطفاله بشراء ملابس للعيد وبعض الحلوى من المجمع التجاري، يستأذن من رفاقه ويذهب مسرعاً لصغاره ليجدهم بانتظاره وابتساماتهم تسابق خطواتهم في ركوب السيارة، طيلة الطريق كان "محمد" يُخبره بأنه في الغد سيساعد أمّه في إعداد طبق حلوى لجدته، بينما أصرّت "عايشة" أن يحملها لمدينة الألعاب المائية كما وعدها من قبل، أمّا أصغرهم سلطان ذو السنوات الأربع فكانت أصابعه الضئيلة تعبث بجهاز الآيباد.

ترجل الأربعة من السيارة ومشوا باتجاه مدخل المجمّع التجاري، وما أن ولجوا البوابة حتى تملّص سلطان وعايشة من يد أبيهم وهم يركضون فرحاً على الرخام المصقول وتختلط ضحكاتهم بضحك غيرهم من الأطفال، وتشع في أعينهم البهجة والسعادة بأجواء المجمع الجميلة وبضائع المحلات الخلابة وتصاميم الواجهات الراقية، وقف يحمد الله على أن كان سبباً لإدخال الفرحة على قلوب أطفاله..

كان يرى خصلات عايشة وهي تتطاير خلال قفزاتها البريئة حول النافورة التي تزيّن البهو الداخلي بفستانها الأبيض بينما كان سلطان يمشي ببطء وهو ما زال يكمل لعبته على آيباده ومحمد يحاول إقناعه بالاستعجال أكثر.

شعر بإحساس غريب وعينه تلاحظ شخصاً سبق أن رأى مثله في إعادات اليوتيوب، الغترة المسدلة والثوب الواسع والمشية السريعة المرتبكة واللحية الكثة، قبل أن يستوعب ما يحدث كانت صرخة ذلك الرجل تعلو: (الله أكبر)، ضوء هائل ودوي مرعب وتيار هواء ساخن قوي قذفه كقطعة حجر ليرتطم بواجهة أحد المحلات، طنينُ قاتل في أُذنيه لا يسمع إلا صوت أنفاسه المتقطعة ونبضات قلبه المرعوبة، كان يئن وجسمه الملقى على الأرض تخترقه العديد من الشظايا، قلّب عينيه بحثاً عن صغاره لكن الدمار كان هائلاً.

ورائحة البارود والأجساد المحترقة تزكم الأنوف والغبار والدخان يحجب الرؤية وصراخ الناس وأنين المصابين وحشرجة من يلفظون أنفاسهم الأخيرة تتردد في جنبات المكان، غالب إصاباته وآلامه وبدأ يزحف بطريقة هستيرية، ثم صرخ بأعلى ما يمكن للمرء أن يصرخ وهو يرى جُثث أطفاله ممزقة ودماءهم البريئة تنساب فوق الأرضيات الحزينة بينما كان آيباد سلطان مهشماً على مقربةٍ منه!

دموعه كانت تتفجّر من عينيه وهو يقوم مرعوباً من نومه، ويجري كالمجنون لِغُرَف أطفاله النائمين في دَعَةٍ وسلام وأمان، يُقبِّلُهُم وهو يبكي بكاءً مُرّاً، وينسلّ عنهم ليجلس مع نفسه باكياً على درج المنزل الخارجي وصوت أذان الفجر ينساب فوق المدينة الآمنة، أدرك حينها أنّ من يحاول تزيين الشر سيصطلي بناره قريباً..

وأنّ من أبقى مدخلاً للسوء فسيكون هو العتبة التي سيُداس عليها، فالشر يدخل كإبرة لكنه سُرعان ما ينتشر كالدخان.

أدرك حينها كم كان ساذجاً وهو يقرأ أكاذيب شُذّاذ الآفاق وهم يُحذِّرون من "الدولة البوليسية"، والتي اتضح أنها لا تعني سوى أي دولة آمنة تحمي شعبها ومصالحه من أن يغتال يومها ويأد مستقبلها تُجّار الدم من خوارج العصر وحزبييه وطائفييه، وعلم أن ذلك التعاطف الخفي كان هو البداية السيئة التي لن تنتهي إلا بنهايةٍ أكثر سوءاً..

ومن لم يكترث بقتل غيرك لن يكترث لقتلك أنت، ومن أزهق أرواح الأطفال والشيوخ والثكالى بقنابله وسياراته المفخخة وأحزمته الناسفة لن يتردد ثانية واحدة من تكرارها معك وفي أي مكان يستطيع أن يجد فيه مدخلاً، فلا تكن أنت ذاك المدخل..

ولا تقدّم أطفالك وأهلك قرابين لجماعات الإجرام والدناءة والبهيمية فو الله لن يرحموا أحداً، وكفاك سذاجة بأن من لا ضمير لديه سيصحو ضميره يوماً، فرياح الشر قادمة فلا تكن تلك الثغرة التي تهدم وطنك وتبيح أرواح صغارك لبرابرة العصر، وإن كنتَ صادق المحبة لوطنك فأحِبَ قادته الذين يسهرون على أمنك وأمن أطفالك بينما تتقلّب أنت في فراشٍ وثير، فمن يُحب الشجرة يُحب أغصانها.