الاستخدام السيئ للمنصب الوظيفي أو المكانة الاجتماعية من قبل سياسيين أو إداريين أو رجال دين لتحقيق مكاسب شخصية بات ظاهرة شائعة جداً في العراق فذاك هو الفساد بعينه.
هذه الظاهرة متفشية في جميع دول العالم بنسب متفاوتة إلا أنها بمثابة آفة خطيرة مدمرة في بعض البلدان ومنها العراق الذي يعيش أزمات كبيرة على مختلف الصعد بسبب الحروب الخارجية التي خاضها والحروب الداخلية التي لا يزال يخوضها. هذه الحروب أضعفت الحكومة وأجهزتها الرقابية على المؤسسات التابعة للقطاع العام، حيث تكمن ثروات البلد.
من جانب آخر سمحت العملية السياسية التي تأسست على قاعدة المحاصصة العرقية والطائفية بتسلل الفاسدين إلى مواقع حساسة في الدولة استطاعت من خلالها تصفية العناصر النظيفة والنزيهة لتأمن على نفسها ولتنهب المزيد من ثروات البلد.
فالفساد في العراق لم يعد حدثاً طارئاً بعد أن أصبح ظاهرة مزمنة يصعب مواجهتها لأنها لم تعد تتعلق بمجموعة أفراد يمكن اجتثاثهم بل مناخاً حاضناً لمجموعة من المافيات التي لها ارتباطاتها المعقدة والمتشعبة في الداخل والخارج.
أهم المراجع التي يمكن الركون إليها للتعرف على حجم الفساد في العالم هو تقارير منظمة الشفافية الدولية وهي منظمة غير حكومية تتخذ من برلين مقراً لها، فهذه المنظمة تصدر تقريراً سنوياً حول مستوى الفساد في دول العالم باستخدام مؤشر رقمي مئوي تعكس الدرجات الدنيا فيه مستويات بالغة من الفساد وانعدام الشفافية..
بينما تعكس الدرجات العليا نظافة وشفافية بالغين. تقرير هذه المنظمة لعام 2014 يشير إلى أن أكثر من ثلثي دول العالم البالغ عددها 175 حصلت على تقدير دون 50%، لذلك أصبح معدل الفساد في العالم 45% وأن الدولة الأكثر شفافية هي الدنمارك ..
حيث حصلت على 92% وحصلت دولة الإمارات على 70% وجاءت في المرتبة 25 عالمياً والأولى عربياً في حين تقاسمت الصومال المرتبة الأخيرة مع كوريا الشمالية كأكثر دول العالم فساداً وانعداماً للشفافية بواقع 8% لكل منهما، أما العراق فقد حصل على 16% وتبوأ بذلك المرتبة 170 بين دول العالم.
إلا أن هذا المؤشر لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد لأنه يقيس فقط مستوى الفساد في القطاع العام للدولة، أما ما يدور في عالم رجال الأعمال في القطاع الخاص فهو غير مشمول بهذه الدراسة.
إلا أن ذلك لا ينتقص كثيراً من أهمية ما يصدر عن هذه المنظمة، فالحجم الأكبر من الفساد هو الذي يتم في القطاع العام الذي تتولى الحكومات إدارته، حيث الصفقات الكبيرة جداً في مجالات النفط والتسليح ومحطات الكهرباء والمواد الغذائية والأعمال الإنشائية الكبيرة وغير ذلك.
التظاهرات التي تخرج كل يوم جمعة في بغداد وفي مدن أخرى يمكن اعتبارها ثورة حقيقية ضد الفساد دفعت رئيس الوزراء العراقي إلى التناغم معها.
إلا أن أصل الفساد "سياسي" إذ أن معظم النخب السياسية غارقة فيه ومتواطئة عليه لذلك لن يقضى عليه ما لم يصار إلى إصلاح العملية السياسية نفسها. فمع أننا نسمع عن ضرورة مكافحة الفساد وكشف المفسدين منذ سنوات إلا أننا لم نر كتلة سياسية طردت أحد المنتسبين إليها بتهمة الفساد.
أبرز أسباب تفشي الفساد هو توافر البيئة التي تسمح بذلك فهناك غياب للروادع، فقد شهدنا بعض كبار الفاسدين يغادرون مطار بغداد بحرية، كما أن الحكومات المتعاقبة لم تتخذ أية إجراءات لاستدعائهم أو مفاتحة الدول التي استقبلتهم دون أن تسألهم عن سر الأموال الكبيرة التي دخلت حساباتهم.
الإجراءات التي اتخذها رئيس الوزراء لن توفر الخدمات المفقودة لأن ذلك يتطلب وجود موارد مالية ليست متوافرة، فهناك عجز كبير في ميزانية الدولة بتزايد مستمر بسبب استمرار انخفاض أسعار النفط.
إنه أمام مهمة صعبة للغاية فالمتظاهرون قد رفعوا سقف مطالبهم التي تجاوزت تحسين الخدمات إلى إصلاح النظام السياسي، وهو أمر لن يتمكن العبادي من مقاربته بسهولة بحكم وجوده في حزب سياسي وتكتل انتخابي تطاله الاتهامات بالفساد.