مفارقة الانتخابات

ت + ت - الحجم الطبيعي

يتزايد قبول التنظيمات العسكرية إسلامية المعتقد بالانتخابات كمحدد لمستقبل النظام والحكم في سوريا ما بعد الأسد.

وتوافق هذه التنظيمات على ما طالبت به وثيقة "جنيف1" حول إقامة فضاء سياسي محايد يضمن إجراء انتخابات عامة ونزيهة، يتولى الحكم بعدها من يفوز بأغلبية مقاعد البرلمان، وتتعهد ألا تلجأ إلى القوة لحسم الصراع على السلطة، مقابل القبول بترشيح ممثلين لها في أي انتخابات تجري بعد سقوط النظام، فإن فازت فيها أخذت السلطة، وإلا رضخت للواقع وقبلت نتائجه وتحولت إلى معارضة سلمية.

هذه النقلة المهمة في مواقف التنظيمات تعتبر تطوراً يمكن أن يجنب بلادنا مخاطر كثيرة، كنشوب صراع بين حملة السلاح، مع ما يحتمه صراعها من تعطيل للحياة العامة وتقويض للنظام البرلماني الذي يرى السوريون فيه نظاماً يعبر عن إرادتهم.

يعني ما تقدم من قول إن سوريا ستكون أمام انتخابات تقود في اتجاهين مختلفين: يحمل أحدهما العسكر وممثليهم السياسيين إلى السلطة، ويضعها الآخر بين أيدي جهات مدنية هي اليوم، وربما ظلت غداً، الطرف الأضعف في الثورة السورية.

فإن لم يتوافر توافق وطني ملزم حول تحييد المجال السياسي، يضمن إخراج العسكر وسلاحهم منه، أغرتهم قوتهم بالقفز إلى الحكم انتخابياً، بما لديهم من شعبية، وقوضوا البعد الديمقراطي / البرلماني للنظام الانتخابي الذي ستقتصر مهمته عندئذٍ على شرعنة سلطتهم وعلى حجبها من خلال حكومة مدنيين يولونها الوزارة.

ثمة مشكلة تلزمنا بالتمييز بين وصول الأغلبية إلى السلطة عبر الانتخابات وبين الديمقراطية. لتوضيح الفارق أذكر بفوز هتلر وحزبه النازي في انتخابات عام 1933 البرلمانية في ألمانيا.

بالمقابل، لا تقوم الديمقراطية دون انتخابات، فالحل باختصار هو انتخابات حرة تتم في إطار سياسي/ قانوني تفضي نتائجها إلى تغيير الحكم دون المس بأسس النظام البرلماني / المدني الذي يخضع العسكر فيه للحكومة المنتخبة، وينفذون سياساتها في كل ما له علاقة بحماية المجال السياسي التعددي، والقوام الدستوري للدولة، إلى جانب الدفاع عنها.

يقول ما تقدم إن الانتخابات فعل سياسي إجرائي، أما الديمقراطية فهي خيار استراتيجي يجب أن ينضوي أي فعل إجرائي تحته، وألا يتناقض معه، وإلا أجهضه وألغى المنجز الانتخابي نفسه كأداة تعبير عن الإرادة العامة: المجال الذي تتوطن الديمقراطية فيه كخيار، وتكتسب الانتخابات وظيفتها وشرعيتها منه.

إن وضع الخيار تحت رحمة الفعل سيدمر بلادنا، خصوصاً في حال نالت جهة مذهبية كـ«داعش» أغلبية الأصوات في انتخابات ما، حتى إن كانت شرعية وقانونية. بقول آخر: من غير الجائز إطلاقاً فصل الانتخابات كإجراء عن الديمقراطية كخيار استراتيجي للدولة والمجتمع.

وبالنظر إلى أن هذا الفصل قد يحدث، وأن مقاومته بإجراءات قمعية لن تكون مجدية، فإنه لا يبقى غير مواجهته من خلال إجماع وطني ينتجه عقد يلزم جميع أطرافه، تسجل بنوده دستورياً، وتمنع مشاركة أي طرف في الانتخابات، إذا كان يرفض تداول السلطة، والنظام البرلماني، والمواطنة كمبدأ ناظم للحياة العامة، والسيادة الشعبية كمصدر للشرعية، والتعددية السياسية، وحرية الصحافة واستقلال القضاء، وخضوع العسكري للسياسي.

وعلى الجملة: الأسس التي ينهض عليها نظام ديمقراطي تتجاوز الأسس التي تنهض عليها الانتخابات وما يمكن أن تتعرض له من تلاعب أو خروج على الشرعية القانونية، المرتبطة حكماً بالدولة ومصالحها العليا، ولا يجوز لمن يربح الانتخابات الخروج عليها أو العمل ضدها. ليس من الجائز أن تقوض الانتخابات الديمقراطية، أو أن تمكن أي طرف من رفضها كخيار مجتمعي.

بالمقابل، من غير الجائز أيضاً تخلي النظام الديمقراطي عن الانتخابات كوسيلة تعبير عن رأي الشعب في حكومته والطرق المتبعة في إدارة شؤونه. هذه المعادلة، التي يكفل النجاح في حلها النظام الديمقراطي واستقرار الحياة السياسية، يجب أن تطرح وتحسم منذ اليوم.

 

طباعة Email