إذا منع التحريض الإسرائيلي مرور الاتفاق النووي الإيراني في الكونغرس الأميركي، فستكون سابقة عز نظيرها في مضمار العلاقات بين واشنطن وتل أبيب. عملية لي الأيدي وعض الأصابع بين «المعلم» الأميركي و«الصبي» الإسرائيلي، حول من له الكلمة الأخيرة في هذه المسألة، قائمة على قدم وساق، وهى ليست جديدة أو مستحدثة.

الشائع هو أن العلاقة الحميمة بين هذين الطرفين لا تعني الندية أو التساوي بينهما رأساً برأس، وأن إسرائيل ليست سوى كيان استيطاني، ساعدت الولايات المتحدة على استزراعه في الرحاب العربية، لأداء وظائف بعينها مادية منظورة وروحية غير منظورة، تخص عالم الغرب بزعامة الولايات المتحدة. هذا التصور العام يظل صحيحاً تماماً، لكن الصحيح أيضاً أن لإسرائيل مصالحها وأهدافها، ولها رؤاها وتقديراتها لتحقيق هذه المصالح والأهداف، التي ثبت أنها تتعارض أحياناً مع التقديرات الأميركية، وتتحرك بعيداً عنها بمسافة أو أخرى.

اليوم يبدي نتانياهو الكثير من الغلو والتطرف في معاكسة توجه البيت الأبيض لإنفاذ الاتفاق مع إيران والالتزام به، من دون أن يعبأ بعبرة نماذج مثل هذا السلوك، إنها العبرة القائلة: إن واشنطن ربما سمحت لإسرائيل بالتشاور وتبادلت معها وجهات النظر والمعلومات، غير أن هامش السماح بهذا شيء، والانتقال من إطار المناصحة إلى القبول بالمناطحة شيء آخر، لا يمكن التهاون معه. وهذا هو عين الخط الأحمر الذي تعداه نتانياهو في معالجته المسألة الإيرانية.

بصيغة أخرى، لم يحدث أن كسبت تل أبيب الرهان وفرضت سياستها في أي قضية تتعلق بالمصالح الأميركية العليا.

قبل زهاء ستين عاماً، أجبرت واشنطن إسرائيل على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، اللذين احتلتهما أثناء شراكتها الآثمة مع بريطانيا وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر. ومن نماذج اليد الأميركية العليا إلزام تل أبيب بعدم الرد على الضربات العراقية الصاروخية عام 1991، خشية إفساد التحالف الدولي ضد بغداد. ومنها أيضاً، إرغام إسرائيل على حضور مؤتمر مدريد للسلام، بعد التمنع الذى أظهره رئيس وزرائها إسحاق شامير.

ومن أحدث نماذج صرامة واشنطن في التعامل مع المناكفات الإسرائيلية، اليقظة تجاه محاولات استدراجها لشن الحرب على إيران بهدف تدمير مشروعها النووي، وتقييد أيدى إسرائيل عن إتيان خطوة كهذه بشكل منفرد، ثم أن كل الألاعيب والحيل الشيطانية المخالفة للتوجه الأميركي التي مارسها نتانياهو لإحباط الاتفاق النووي الإيراني، وهو قيد التفاوض، باءت بالفشل.

بناء على هذه السوابق ونحوها، علاوة على تبصر جوهر علاقة العملاق الأميركي بالتابع الإسرائيلي، الذي يجتهد للتحول إلى شريك صغير، نكاد نقطع أن محاولات إطاحة الاتفاق الإيراني عبر تجييش اللوبي اليهودي الصهيوني في واشنطن، ستؤول إلى الإخفاق الذريع. من الواضح أن الرئيس أوباما أصبح يأخذ التحدي الإسرائيلي لإرادته على محمل الجد، وليس هيناً في إطار التصدي والمواجهة أن يشير سيد البيت الأبيض بصريح العبارة إلى أن «إسرائيل تتدخل في شؤون الولايات المتحدة».

والظاهر أن غضبة أوباما حققت بعض نتائجها، فالراسخون الإسرائيليون في تفهم كنه الصلة بالولايات المتحدة، باتوا يضعون أيديهم على قلوبهم تحسباً من عواقب الإيغال في التشويش على سياسته الإيرانية الجديدة.

ومنهم من استصرخ قومه بالتروي، ومنهم من لفت الانتباه إلى أن «استخدام الأميركيين اليهود في مشاكسة أوباما، يضعهم تحت ضغط أسئلة الانتماء والولاء والإخلاص للعلم الأميركي». تقديرنا أن أصحاب هذه المداخلات هم الذين يعرفون قدر إسرائيل وقدر الولايات المتحدة، وأنه إذا ما دق الرئيس الأميركي على الطاولة، فعلى إسرائيل أن تذعن، كونها لم تبلغ بعد مرحلة الخروج الآمن عن طاعة الراعي الأميركي.