إسرائيل مهدت لحفل افتتاح قناة السويس الجديدة بإطلاق حملة «كاذبة» عن خروج الأوضاع الأمنية في سيناء عن سيطرة الدولة المصرية، وأنها باتت خاضعة لتنظيم داعش، ما يستوجب تدخل الجيش الإسرائيلي لدرء ومواجهة أي مخاطر أمنية على الدولة العبرية، وتبعات هذه الحملة ظهرت بشكل عاجل، وسرعان ما أخذت أبعادها الدولية بانضمام وسائل إعلام أميركية- معروفة بارتباطها الوثيق بجماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة- لهذه الحملة التي تروج فقط لصورة مصر المضطربة غير الآمنة التي يتجول الإرهاب في ربوعها!

ليس خافياً أن قدر الافتعال والتلفيق في هذه التقارير مبالغ فيه جداً من جانب الأطراف الخارجية المتربصة، مستغلة بعض المواقف أو الحوادث الفردية المتفرقة التي بنت عليها نتائجها المزعومة، فمصر الآن- وبعد مرور عامين على فض اعتصامات رابعة العدوية وميدان النهضة وبعد تحسن هائل في الأوضاع الأمنية إلى حد الاستقرار الحقيقي والأمان التام ودوران عجلة الاقتصاد وظهور مؤشرات قوية على التحسن والقدرة على الإنجاز- تسير على الطريق الصحيح، وهوما يزعج أطرافاً عالمية كبرى وإقليمية مازالت ترى في مشروع 30يونيو وإطاحة الإخوان لطمة عنيفة حطمت مخططاتهم بإعادة رسم خريطة الأمة العربية سياسياً وجغرافياً.

أن يلقى مواطن كرواتي مصرعه في عمل إرهابي أو جنائي هو بالقطع حادث يستوجب الشعور بالحزن والأسف، وكذلك الإدانة والشجب الشديد. ذلك هو الطبيعي والمنطقي في إطار ردود الفعل السوية، أما أن تكون هناك حالة تربص فليس مستغرباً أن يستغل الحادث ذريعة لترويج شائعات وخلق صورة انطباعية تخدم مخططاً أكبر. وهذا ما فعلته شبكة «سي إن إن» الأميركية في تناولها للحادث، حيث استغلته لترويج أكاذيب بأن سيناء منطقة خارجة عن القانون وسلطة الدولة، وأن الحكومة المصرية فشلت في تنفيذ وعودها بالقضاء على الإرهاب، وأن وجود ما يسمى بتنظيم داعش الإرهابي في مصر أصبح الأقوى بعد مثيليه في العراق وسوريا.

وربما جاء الرد المصري على هذا التقرير قوياً ومقنعاً، حيث أكد المتحدث باسم الخارجية المصرية ضمن نقاط التفنيد أن الإرهاب ظاهرة عالمية، وأن وقوف مصر في صدارة الدول التي تحاربه كان يقتضي من وسائل الإعلام الغربية، وشبكة «سي إن إن» واسعة الانتشار على وجه الخصوص، أن تؤكد أهمية دعم الجهود المصرية وضرورة التضامن مع مصر بدلاً من التقليل من قيمة ما تقدمه من تضحيات، وما تبذله من جهود، ولكن هذا في حد ذاته ليس كافياً لمواجهة أو وقف عجلة الأكاذيب الأميركية.

مادام عنصر سوء النية متوافراً فسوف تظل الذرائع والحجج الكاذبة هي المهيمنة حتى ولو كانت الحقائق واضحة وضوح الشمس على الطرف الآخر، والتاريخ الحديث يعلمنا أن مصر خضعت للاحتلال البريطاني عام1882، بسبب شائعات كاذبة عن ذبح الأجانب في شوارع الإسكندرية بعد مشاجرة بين مصري اسمه سيد العجان ومواطن مالطي امتنع عن دفع أجرة التوصيل له! بينما التاريخ المعاصر يعلمنا أن واشنطن احتلت ودمرت العراق حتى يومنا هذا بعد أكاذيب ضخمة عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل وهي اتهامات ثبت كذبها حتى قبيل الغزو بفترة كافية.

وهكذا فإن حملات الأكاذيب من جانب القوى الكبرى عادة ما تستغل لتحقيق أطماع وأهداف خاصة، واليوم عندما يستغلون واقعة المواطن الكرواتي القتيل فإنهم يختلقون أسباباً للتحرش السياسي بمصر بعد النجاحات الكبيرة التي حققتها على أكثر من صعيد. أليس غريباً أن حملة الاتهامات والانتقادات انطلقت حتى قبل الكشف عن ملابسات وتفاصيل هذا الحادث؟ أليس من الممكن في ضوء حالة الاختلاط البشعة التي تعيشها أمتنا العربية أن تتسلل خلايا مخابراتية أجنبية إلى داخل دول بعينها لتنفيذ عمليات إرهابية- تخريبية لخدمة مخططات معينة، ألم تنفذ الـ«سي أي آيه» و«الموساد»مثل هذه العمليات من قبل؟

ويبدو أن ذريعة «سيناء» ستتحول إلى «كعب أخيل»، الذي ستحاول القوى الخارجية المتربصة بمصر استغلاله إلى أقصى درجة وصولاً لأهدافها الخاصة، فقد فتحت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية المعروفة بمواقفها شديدة العداء تجاه مصر جبهة جديدة لإزعاج الدولة المصرية وتشتيت جهودها، فقد زعمت الصحيفة أنه بعد أكثر من ثلاثة عقود على تشكيل القوات متعددة الجنسيات والمراقبين، التي تضم كتيبتين من الجيش الأميركي، فإن القتال يشتعل في شبه جزيرة سيناء الشاسعة والمهجورة إلى حد كبير، باشتباك مجموعات من المتطرفين مع قوات الأمن المصرية.

وزعمت الصحيفة أن أعمال العنف تلك شكلت خطراً وفرضت قيوداً شديدة على حركة قوات حفظ السلام، وهو سبب وجيه للنظر في سحبهم من سيناء، وادعت أن الهجوم على القوة التي تشكل أكثر من 1600 جندي يمكن أن يفتح جبهة جديدة في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش الذي يوجد لديه فرع في سيناء.

تلك توجهات واضحة المعالم تأتي ضمن الحملة الأميركية- الإسرائيلية لتشويه صورة مصر وترويج صورة زائفة عنها بأنها «أرض الإرهاب» والهدف الأساسي من ذلك هو استهداف المشروع الوطني المصري الذي ولد في الثلاثين من يونيو ومحاصرته والحيلولة دون وصوله إلى بر الأمان، وتحقيقه أهدافه الوطنية المشروعة، ويستلزم ذلك مزيداً من التكاتف العربي من كل الأطراف العربية وتدخلاً حاسماً وصارماً من جانب جامعة الدول العربية حماية للأمة من التفسخ ولمواجهة مشاريع التقسيم، وأكبر دليل عليها تصريحات رئيس الأركان الأميركي جنرال أوديرنو حول تقسيم العراق، فالمخططات جاهزة، والتنفيذ لا يسقط بالتقادم.