حكايات عن نور

ت + ت - الحجم الطبيعي

مهما حاولت مقاومة هذه العادة المصرية. إلا أننا نمارسها بقسوة ضد أنفسنا ومن نحبهم.

ألا وهي انتظار أن يموت الأحبة لنجلس للكتابة عنهم.

سألت نفسي عن أسباب الظاهرة. ولم أجد إجابة. ولكني أعتقد أن الحكاية تكمن في أننا أبناء حضارة قدمت للبشرية إحدى عجائب الدنيا السبع وهي الأهرامات التي لا تزيد على كونها مقابر دُفِن بها بعض فراعنة مصر.

أحد كُتَّاب الكوميديا في ستينيات القرن الماضي قال لي عبارة جارحة، إن من يموت يخلي لنا الساحة، ويترك لنا الدنيا. لذلك ففي اللاشعور لكل منا تكمن حالة من الرضا بموته. لذلك نكتب عنه ونشيد به ونضع أمام أعيننا المبدأ الذي يقول: اذكروا محاسن موتاكم. ونضيف لهم من عندنا الكثير من البطولات غير العادية.

مع أن ثلث أو ربع أو ربما عُشر ما يكتب عن الراحل بعد موته. لو كُتب في حياته لاكتسب إمكان استمرار الحياة بدافع داخلي، ولسعد سعادة غير حقيقية. وربما امتد عمره. مع أن الأعمار بيد الله سبحانه وتعالى.

رأيت نور الشريف أول مرة بعد حرب السادس من أكتوبر 1973 بعامين في مدينة السويس. كانت تعقد ندوة عن حرب أكتوبر وكيفية تخليدها في الأدب والسينما والمسرح. فوجئت بأنني أقف أمام نور الشريف، وكنت قد شاهدت له من الأعمال الفنية ما أكَّد لي أنه صاحب قضية، وأن أعماله ينتظمها موقف من العدل الاجتماعي والحنو على هموم الفقراء.

أعرف أنه ممثل، أي أنه يؤدي الدور الذي كتبه له السيناريست. ولكن نور لم يكن مجرد مؤدٍ. فقد كانت له وجهة نظر في كل ما يقوم به. وكان يؤثر في من حوله. بل إنه يعديهم بفكره ابتداءً من المؤلف وحتى المخرج وكل أعضاء «الكاست» الذين يعملون معه.

كان لقاءً عابراً، وبعد ذلك اتصل بي واحد من أقاربي كان يعمل في الكويت. قال لي إن نور الشريف كان يتحدث في تلفزيون الكويت. وذكر روايتي: «الحرب في بر مصر»، وحكاها، ولخصها. وأعلن أنه مستعد أن يتحول للإخراج لو تمت الموافقة الرقابية على تحويلها لفيلم سينمائي. ولن يمثل فيها، فالإخراج قمة أحلامه من العمل الفني.

لن أحول الأمر لكتابة عن نفسي ولا عن روايتي. فذلك شيطان ماكر يكمن تحت سن القلم الذي أكتب به، سأقاوم هذا. عاد نور الشريف إلى مصر. وبدأنا رحلة الحصول على موافقة الرقابة على تحويل الرواية لفيلم سينمائي، وكان مصراً في حالة الموافقة على التحول للإخراج، وقال إنه الحلم المؤجل بداخله، ومع هذا النص يمكنه أن يمارسه ولن يكون قد ضحَّى بالتمثيل.

وعندما اقترحت عليه أن يخرج ويقوم ببطولة العمل في نفس الوقت، لم يرض. رفضت الرقابة الرواية، وانصرف نور لأعمال أخرى وظلت الرواية مرفوضة إلى أن جاء صلاح أبوسيف، الرجل الدؤوب الذي يتابع كل شيء بشكل يثير الدهشة. وكان قد تولى الرقابة رقيب له أفق وعنده خيال هو حمدي سرور. فوافق على تحويل الرواية لفيلم أخرجه صلاح أبوسيف تحت عنوان آخر ألا وهو «المواطن مصري».

بعد سنوات حاول مخرج شاب أن يحول روايتي: «أيام الجفاف» لفيلم سينمائي، وذهب لسيناريست شهير اسمه يدوي كالطبل. وأعطاه الرواية التي حولها لسيناريو في عشرة أيام. ثم أرسلوه لنور الشريف. وفوجئت به بعد شهور يتصل بي ويقول لي إنه سيعتذر عن القيام ببطولة الفيلم، لأن المسافة بين الرواية والمعالجة السينمائية شديدة الاختلاف، ولا يمكن أن يشارك في جريمة اغتيال نص أدبي مهما كانت الظروف.

نفس هذه الرواية كانت موضوع آخر اتصال تليفوني بيني وبينه، عندما هاتفني ليلاً قبل أن يدخل في المرض الذي أسلمه لنهاية عمره. وطلب مني نفس الرواية «أيام الجفاف» لكي تخرجها ابنته. فهو يتمنى أن يحقق من خلالها ما لم يفعله في حياته سوى في فيلم وحيد أخرجه، هو فيلم «العاشقان».

أرسلت له الرواية، وما زلت أذكر العنوان الذي أرسلتها عليه. ربما كان مكتبه أو ربما كان مسكنه السابق قبل أن يترك القاهرة. كان في حي المهندسين. ومن يومها لا أعرف مصير الرواية، لأن الأمر لم يتعد اتصاله التليفوني ولم يخرج إلى الوجود.

كان صاحب موهبة كبيرة، هذا مؤكد. ولكنه لم يكتف بطرطشة الموهبة العاطفية ولا تجلياتها ونزواتها. أضاف لها عقله الواعي المدرك الذي يحول الأمر إلى ما يشبه المعجزة. عندما تلتقي الموهبة مع الإحساس العقلي ووزن الأمور بدقة غير عادية. هكذا كان يتصرف نور الشريف.

من الصعب الكتابة عن الفنان الفرد بعد عزله عن زمانه والمناخ الذي عمل فيه. هذا لا يقلل من إنجاز الموهبة الفردية. لكن المناخ العام لا يقل أهمية عن تجليات الإبداع الإنساني، وكان من حسن حظنا نحن جماهير السينما المصرية. ومن حسن حظ نور الشريف أيضاً الظروف التي عمل من خلالها وتمكن من إنجاز أكثر من 170 عملاً فنياً. قدَّم فيها ما يؤمن به وما يعتقد أنه الصواب.

رحل نور وبقي علينا واجب تخليده.

طباعة Email