تغيرت ظروف الزمان والمكان وأصبح كل ما حولنا يجري متسارعاً، فقطار اليوم أصبح نفاثاً، ومن لم يلحق به ليركبه، فقد يعدو عنه سريعاً، وليس له سبيل سوى اللحاق بالذي يليه وربما يكون هذا الذي يليه مختلفاً في الظروف والأحوال، نعم ستعرف أن تتعامل معه، ولكن بقلة خبرة لأنه قد فاتك درس القطار الأول.
هي خاصيّة وميّزة حُرم منها العرب السابقون الذين لم يعيشوا في عصرنا، فنحن أكثر منهم تطوراً واطلاعاً على العوالم والعواصم، وأكثر أريحية في كل شيء كما قال ذلك الدكتور مصطفى محمود في أحد لقاءاته.
حتى في راحة البال نحن أنعم وأسعد، وإن كان القلق من حولنا كبيراً إلا أننا والحمد لله في العالم العربي عموما ننعم بالسعادة، فما الذي ينغص عيشنا إذاً حتى يشكو الناس ؟!.
لقد جاءت وسائل التواصل الإلكتروني العصرية نعمة ونقمة، فنعمتها أنها جعلت العالم قرية صغيرة، وأننا نستطيع أن نطلع على كل ما يدور حولنا بأقصر الطرق وأيسرها، ولن أطيل في الشرح فالكل يلمس ذلك ويحسه، أما نقمتها فبما أطلعت عليه أعين الناس من حق غيرهم ومقارنة أنفسهم بشعوب وأراضٍ ليست ملكهم، وليست في مثل ظروفهم، وتطاول الأمر حتى صرنا عبيداً لهذه التكنولوجيا الإلكترونية الخطيرة، فبدأ الناس ينقلون ويتناقلون جميع أحوالهم وأحداثهم، يتكلمون ويألفون ويشيّعون وقائع وقضايا هي مكنون صدورهم التي كانت في بواطنهم، وقد كانت الحكومات تدرس قدر المستطاع ظروف كل واحد من هؤلاء قبل أن تتيح له الفرصة كي يدلي بدلوه للعامة من خلال الوسائل الإعلامية المتوفرة.

صار المجال مفتوحاً عبر التفاهات والمهاترات لاستقطاب الجماهير من خلال هذه الوسائل الإكترونية وما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي التي باتت سلاحاً فتاكاً يعترف الجميع بأنها كانت سبباً في إسقاط حكومات، وتغيير أنظمة عديدة وأحداث الفوضى والاضطرابات. فأي جبروت لهذا السلطان الجديد الذي لا يرعى في الناس إلاً ولا ذمة، قادر على أن يبدل ويغيّر في حياة الناس وبسرعة ليس لها مثيل من قبل.
ومن كبرى نقمات التواصل الإلكتروني تأثر الجيل الناشئ الجديد العربي بصيحات الغرب المبتذلة، المنتشرة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي, حيث بات تقليدهم الأعمى للشباب الغربي وتقاليدهم في أدق تفاصيل الحياة دون وعي لدرجة الانفصال عن الواقع الذي نعيشه، مما جعلهم فريسة العبودية عن طريق الانجرار التدريجي لما تبثه هذه الوسائل والتقنيات.
هذا على سياق العموم، أما على الخصوص، فصارت أعراض الناس مكشوفة وأفعالهم مستهدفة ومناطاً لسخرية أو تعليق وتشهير. غباء ما بعده غباء. أشخاص يصورون أنفسهم وأعراضهم بأوضاع مخلّة ولا يدرون كيف انتشرت فضيحتهم ثم يبكون، وا فضيحتاه، وأناس ينفثون سمومهم بأيديهم، ثم يتبرؤون مما كتبوه دون وعي أو دراية أو فكر أو حنكة. وأما آخرون فيترصدون كل شاردة وواردة، حتى كان آخرها بالأمس القريب عندما قتل خليجي آسيوياً كان يلتقط هو وأصدقاؤه صوراً ظهرت فيها خطيبة الأول.
ولا أعلم كيف حدث هذا أو حصل ذلك، ولكن لا شك أنها غيرة العربي الذي لم يتمالك نفسه وهو يرى صورة خطيبته في هاتف غيره أو غيرها، أنا لست في صدد الدفاع عن هذا أو ذاك، ولكن ليس كل الناس يقبلون الذل والعبودية.
نعم إنها العبودية الإلكترونية قالها لي أخي وصديقي العزيز سعادة سعيد الظنحاني والذي يتمتع بقدر كبير من الذكاء والثقافة، بعد أن عرض علي قضية هذا الشخص الذي قتل الآسيوي، وكانت علامات الاستفهام والاستغراب تظهر بين حروف كلماته التي نقلها إلي عبر الواتس أب، وسأل هل من ضرورة لتقييد هذه العمليات من تصوير مزعج خصوصاً في المطاعم والمقاهي، حيث إن الاعتداء على الخصوصية صار يمارس بشكل سري للغاية بحق الناس وهم في غفلة من أمرهم خاصة مع انتشار نظام التصوير ( السيلفي) وما ماثله، وبات الواحد لا يدري أهذا الشخص يصور نفسه أم يصور من يجلس بوجهه وأمامه أو خلفه، وهنا نتساءل مع أخينا العزيز سعيد، أنحن بحاجة لسن قانون ينظم عمليات التصوير تلك، أم أن ما صدر من قانون لمكافحة جرائم تقنية المعومات الإلكترونية يفي بالغرض؟
وما أذهب إليه من أن سن أي قانون في هذا الصدد سوف يعارضه الكثير وينعته بتقييد الحرية والتخلف، وما إلى ذلك من نعوت يُغَلَّب فيها الرأي العام مصلحته على مصالح العامة.
هي نقطة ومن أول السطر نقول فيها لا بد من إعادة النظر في أوضاع العبودية الإلكترونية الراهنة، حتى لا تثور ثائرة الناس في يوم قريب على سلطانها الإلكتروني وتقتله أو تدمره، ولكن بعد أن ضاعت جميع معالم هويته وشخصيته العربية والإسلامية وغرائزه الطبيعية.