انتفاضة العاصمة العراقية يوم السابع من أغسطس الجاري كانت الأكبر منذ انتفاضة فبراير 2011 إلا أنها تختلف عنها في بعض الوجوه، الدافع مشترك مع الاختلاف في درجة حدته، وهو سوء الأوضاع على جميع المستويات والمحاور، فجرتها أزمة الكهرباء المستعصية. وإذا كانت انتفاضة 2011 قد جاءت متأثرة بموجات الانتفاضات العارمة التي اجتاحت عواصم بعض الدول العربية فإن الإنتفاضة الحالية ليست كذلك؛ فهي من رحم المعاناة لمعظم أبناء الشعب العراقي. فهناك تحول في وعي المواطن العراقي للواقع السياسي والاجتماعي بعيداً عن نفوذ وهيمنة الأحزاب السياسية، فهذه الانتفاضة قامت منظمات المجتمع المدني بتنظيمها.

ما يجري بالعراق ليس وليد الساعة، بل نتيجة تراكم سنوات طويلة من الفشل والإخفاق والإحباط وسوء الأداء والفساد الذي اتسمت به سياسات الأحزاب ذات الواجهات الدينية التي فرضت نفسها على الساحة السياسية منذ سقوط النظام السابق، هذه الأحزاب تسعى الآن لركوب موجة الانتفاضة وامتصاص نقمة الجماهير بالادعاء بتأييد طلباتهم. لم يعمد العبادي لقمع هذه الانتفاضة كما فعل سلفه المالكي عام 2011، بل استجاب لطلباتها وحصل على تفويض من جماهيرها لتحرير نفسه من قيود التوافقات والتعهدات والالتزامات التي أوصلته لرئاسة مجلس الوزراء، فلم يعد ملزماً بمفاتحة الكتل السياسية والتوافق معها، فحزمة الإصلاحات التي أعدها لترشيق الدولة حظيت بموافقة مجلس الوزراء ثم مجلس النواب. خطوة العبادي هذه تأتي كأول إجراء يتخذه ضمن خطة إصلاح شاملة استبق التظاهرات بالإعلان عن التزامه بتنفيذها.

قرارات العبادي قوبلت بتأييد جماهيري واسع مع تحفظ بعض السياسيين عليها ووقوف بعض الكتل منها موقفاً يتسم بالبرود والتحفظ، وأخرى بالقلق والتخوف. فالقضاء على الفساد ليس مجرد إقصاء بعض السياسيين عن المشهد، بل هناك ثمن سياسي يدفعونه أمام القضاء وتدفعه الأحزاب التي تحتضنهم، وهو أكثر ما يقلقها.

ملف الكهرباء الذي فجر الانتفاضة ليس الوحيد المعفر بالفساد؛ فهناك ملفات كثيرة ينبغي أن تفتح بشفافية، منها ملف التدمير الممنهج للجيش العراقي والتفريط بثلث مساحة العراق لصالح عصابة داعش، وملف قاعدة سبايكر وملف المليشيات، وملف الإثراء الفاحش لمن كان يعيش على المساعدات في دول اللجوء وملف العاطلين عن العمل، حيث يقبع ثلث العراقيين تحت خط الفقر باعتراف وزارة التخطيط، وملف النازحين وملفات أخرى وأخرى. الفساد المالي والإداري الذي يجري الحديث عنه جوهره الحقيقي سياسي تقع مسؤوليته على عاتق الطبقة السياسية الحاكمة منذ عام 2003.

الإرث السيئ الذي ورثه العبادي عن سلفه المالكي كبير جداً؛ فالإصلاح يتطلب تجاوز إلغاء بعض المناصب وبعض الامتيازات وتخفيض الرواتب الكبيرة لبعض المسؤولين وتقليص حماياتهم إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، فما فجّر حناجر مئات الألوف من المتظاهرين هو الجور والإهمال الذي يرزح تحته معظم العراقيين؛ إذ يكفي أن نذكر أن مدينة البصرة ربما الأغنى بين مدن العالم تشرب الماء المالح. الفساد في العراق تجذر بشكل خطير وأصبح يدار من قبل مافيات تستمد قوتها من علاقاتها الإقليمية والدولية، وليس من المتوقع أن تستسلم هذه المافيات بسهولة لما تتطلبه عملية إصلاح شاملة من إجراءات، بل ستضع العراقيل أمام ذلك بشتى الوسائل، وليس لجوءها لاستعمال العنف بمستبعد.

لنأمل أن ما اتخذه العبادي من إجراءات كان بدافع إرادة سياسية حقيقية للإصلاح وليس لامتصاص غضب المتظاهرين فحسب، فهل سيتمكن من المضي قدماً حتى نهاية الشوط؟ وهل يستطيع أن يتخذ إجراءات ضد قياديين في كتلته النيابية بل في حزبه وفي التحالف الواسع الذي تنتمي كتلته إليه؟ وهل سيجد ما يؤمن له الدعم في أجواء التقاليد التوافقية التي ترسخت في العمل السياسي البرلماني؟ وهل سيكون جهاز القضاء قادراً على التعامل باستقلالية وحرية ونزاهة مع ملفات شائكة كثيرة؟ وهل يمكن الاطمئنان على ما سيجري مع وجود المليشيات المدججة بالسلاح التي لها ولاءات لبعض الأحزاب أو الأفراد؟ وهل سيكون آمناً على نفسه أو على أجندته من سطوة بعض دول الجوار التي تتعكز على كبار الفاسدين لفرض وجودها في العراق؟

المعيقات لخطة الإصلاحات كبيرة جدا، فالدولة تدار في معظم مفاصلها من قبل عناصر لم تأت بهم مؤهلاتهم التعليمية أو كفاءاتهم الإدارية أو خبراتهم الوظيفية إليها، بل جاءت بهم العملية السياسية البائسة التي تأسست على ما يكرس انقسام وتشرذم العراقيين وراء العرق أو الدين أو المذهب. إلا أن إكسير التخدير الطائفي الذي عمدت مافيات الفساد جاهدة ودون كلل على سقيه للناس لسلب إراداتهم وضمان ولائهم وتبعيتهم لها بدأ يفقد مفعوله، فالإنسان الجائع أو العاطل عن العمل أو الذي سدت بوجهه السبل لا يجد أمامه سوى التمرد على الأوضاع القائمة.

لم تعد العملية السياسية الجارية في العراق تواجه عقبات بل وصلت إلى طريق مسدود، ومن المشكوك فيه أن تتمكن المؤسسات القائمة، تشريعية وتنفيذية وقضائية، من التناغم مع متطلبات عملية إصلاح شاملة حقيقية لواقع متهرئ أهدرت فيه ثروات الشعب. ولعل السبيل الأفضل للخروج من الأزمة هو تشكيل حكومة تكنوقراط تقوم بتصريف الأعمال ويصار إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة تنبثق عنها مؤسسات جديدة، تعمل على تكليف أحد مكاتب التدقيق المالي العالمية لإجراء كشف كامل عن مصير ثروات العراق منذ سقوط النظام السابق لوضعها أمام القضاء.

 

* كاتب عراقي