إذا أردت أن تعرف مدينة تزورها، فاقرأ الإعلانات في صحفها، هي من تدلك على الأمكنة ومزاج ناسها ووضعها المالي والاقتصادي، هي من تقول لك أين تحتسي قهوتك الصباحية، وأين تتناول طعامك وأين تتمشى وتتعشى وأين تسهر إن كنت من محبي السهر.
كانت تلك نظرية ما قبل المحطات الفضائية وما قبل الموبايل الذي يضع كل العالم في صندوق بأحجام مختلفة وتختار له أسماء أنيقة ويضع في متناول عينك كل ما في الدنيا من سعر السمك في المحيط الأطلسي إلى سعر متر الأرض في المريخ، إلى درجة الحرارة في جبال هملايا إلى جبال اليمن التي تشهد أعلى درجة منذ حرب الستينيات إلى أهوار العراق التي جف فيها القصب، إلى طرطوس وحمص والشام وحلب.
ما يدلك على تفاصيل المدينة أيضاً إشارات المرور. ليس أين تذهب ولا تذهب بل أولئك الأطفال المفتوحة عيونهم على حزن عميق متعدد الجنسيات والاتجاهات والهدف واحد : «مشان الله تشتري »! علكة، محارم، دخان، و...ورد .لكنهم كلهم عرب صار لديهم الورد سلعة، والذهب لمن سبق ولبق وقتل . فاشإرات المرور في المدن العربية حمراء منذ بدا «الربيع الدموي» لا العربي .
لقد نبتت زهور حمراء في الحارات والحقول والأرياف لكنها شقائق النعمان رمز الشهداء والقتلى والدم . ومن لم يمت بقذيفة أو برميل أو رصاصة فقد مات واقفاً على حاجز أو على إشارة مرور يستجدي من لم يعد لديهم سوى دمعة حزن وتنهيدة ألم . «الله يعينهم ويرجعهم لبلادهم » هذا ما يمكن أن تقوله وانت تتوجع لا حول ولا مال معك تقدمه . حتى لو قدمت كل ما معك فانه بالكاد قوت يوم واحد للاجئ، وماذا عن أربعة ملايين سوري ومليوني عراقي وملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين نصبوا أول خيمة لجوء عربية في شتى أنحاء العالم منذ أنشأ الصهاينة «إسرائيلهم» في فلسطين العام 1948.

هل يعودون إلى بلادهم؟ لم تسجل الهجرات العربية إلا نادراً عودة اللاجئين والمهجرين والنازحين. وها هم الفلسطينيون يحتفظون بمفاتيح بيوتهم منذ 67 سنة . وكلما مرت سنة صدأت المفاتيح وأصبحت البيوت أبعد .
فلسطين صارت فلسطينات واللاجئون من كل الجنسيات . الجرح تعمق و«اتسع الرتق على الراتق ». ولم يعد ثمة راتق ولا من يرتق . الكل يرقب ويترقب ما تجود به القوى العظمى فيما العظام العربية تتحطم ويستخدم رمادها كحلاً لعيون عاهرات بني صهيون. لم ينسوا فلسطين لكن دورها لم يات بعد. لأنها عصية على النسيان . زيتونها أخضر، شعبها جبار، نساؤها ولّادات وجيل بعد جيل يحتفظ بحق العودة وبكوشان البيت والبيارة والمصنع .
لقد بدأت نكبة الفلسطينيين من الأمم المتحدة فبعد فشل إسرائيل في طلبها الانضمام إلى الأمم المتحدة في خريف 1948، عادت وقدمت طلباً آخر في ربيع 1949. بعد التصويت (37 مع، 12 ضد، و9 ممتنع)، أصدرت الجمعية العمومية قرارها رقم 273 بتاريخ 11 مايو 1949 بقبول عضوية إسرائيل بناءً على إعلان إسرائيل بأنها «تقبل بدون تحفظ الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وتتعهد بتطبيقها من اليوم الذي تصبح فيه عضواً في الأمم المتحدة» وبأنها تتعهد بتطبيق قراري الجمعية: الصادر 29 نوفمبر 1947 (قرار تقسيم فلسطين) و11 ديسمبر 1948 (قرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين)[1] وهذا ما لم يحدث لحد الآن).
منذ ذلك اليوم والأمم المتحدة تقوم بدور حبة الأسبيرين لعلاج مصاب بأزمة قلبية هي سببها . ومن خلال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا) أقامت الخيام في دول الجوار وأنشأت المدارس وها هي تهدد بالتخلي عن حبة الأسبيرين لاستكمال دورها في إنهاء القضية الفلسطينية سياسياً.
وفي هذا السياق أكد فريد المسيمي الناطق الإعلامي باسم الموظفين العرب في الأونروا أن الوكالة تلوح منذ فترة بإنهاء خدماتها في المخيمات، ولكن الجديد في الموضوع هو تصريح المفوض العام للأونروا الأخير، والذي قال فيه إنه يملك الصلاحيات بإعطاء جميع الموظفين إجازة عام كامل بدون راتب في حال لم تتوافر الأموال الكافية حتى بداية العام الدراسي، علماً أنه لم يتم اتخاذ هذا القرار حتى الآن. وأوضح أن الإقدام على مثل هذه الخطوة خطير للغاية على سكان المخيمات والتلاميذ والعاملين.
عواقب إنهاء خدمات الأونروا في المخيمات تأجيل العام الدراسي، تعني أن حوالي نصف مليون طالب فلسطيني لن يتوجهوا للمدارس مع بداية العام الدراسي الجديد، منهم 320 ألفاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي حرمانهم من حق التعليم المكفول في كل دول العالم.
وفي حال تنفيذ الأونروا لما تلوح به من إنهاء لخدماتها سيتأثر سبعة ملايين لاجئ فلسطيني، وسيتم إغلاق 700 مدرسة، حيث ترفض الدول المانحة وأهمها الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وكندا، وأستراليا دفع أي تبرعات مالية جديدة. ويتخوف محللون من عواقب تنفيذ قرار الأونروا بإنهاء خدماتها، حيث سيفتح ذلك المجال أمام التوطين أو التهجير أو إدخال الفلسطينيين في صراعات محلية.
العرب منهمكون في حماية ما تبقى منهم ولهم من مدن ومن سيادة وأمن فيما يخطط أعداؤهم لمزيد من التفتيت والتقسيم والقتل والتدمير . أما الأمم المتحدة فلربما تعد الخيام للاجئين ونازحين جدد في صحارى التيه العربي !!
* كاتب أردني