ماذا تعني الوطنية بدون تضحية؟ وكيف يمكن أن تكون صادقاً في محبة وطنك وبلادك بدون أن تكون قادرا على البذل والعطاء والتضحية بالغالي والنفيس من أجل هذا الوطن وعقيدته وقيادته، وهل أغلى من الروح إلا الوطن والدين. باختصار، ماذا يعني الوطن بدون تضحيات أبنائه... وماذا نعني نحن بدون وطن!

أستحضر هذه الكلمات وأنا أستمطر شآبيب الرحمة على أرواح شهدائنا الأبطال من أبناء القوات المسلحة الإماراتية الذين ارتقوا إلى جنان الخُلد بإذن الله في ميادين الشرف والرجولة والعز والبطولة منذ «مُقَدَّم الركب» سالم بن سهيل، إلى الثلاثي الطاهر الشهيد العريف أول جمعة جوهر الحمادي والشهيد العريف أول خالد محمد الشحي والشهيد العريف أول فاهم سعيد الحبسي ومن سبقهم من شهداء القوات المسلحة الأبرار وإخوانهم شهداء الدبلوماسية الإماراتية سيف غباش وخليفة المبارك، ومعهم كل من قدم حياته فداء لهذا الحمى الطاهر المبارك.

ومع كل قطرة دم سالت من شهيد إماراتي، نحتاج إلى أن نذكر أنفسنا وكل من حولنا ببعض المفاهيم الأساسية لمعنى الشهادة وعلاقتها بثقافتنا وهويتنا الوطنية الإماراتية وقيمنا المتوارثة أباً عن جد في الدفاع عن ديننا وديرتنا وأهلنا وأعراضنا وحمانا. فنحن، كإماراتيين، لم نتعلم اليوم معنى أن نكون سدا منيعا في وجه الطامعين والمعتدين، ولكننا ورثنا من آبائنا وأجدادنا أنبل معاني الشرف والتضحية والرجولة، وهل هنالك شرف أو رجولة أفضل من حفظ الوطن والدين وصون استقلاله وحماية منعته؟

اليوم، وأبناؤنا يقدمون أرواحهم الغالية ودماءهم النبيلة الطاهرة في ميدان الشرف والرجولة عزيزة وثمينة من أجل الوطن، ولن أقول رخيصة من أجل الوطن فدماؤهم تصبح بالوطن والشهادة أغلى وأعز، فإننا نحتاج جميعا أن نستذكر معا ما الذي يعنيه ذلك من منظور قيمنا الوطنية الأصيلة، فنحن عندما نتحدث عن الشرف والرجولة والتضحية، إنما نتحدث عن عادات وتقاليد وقيم تأصلت في المجتمع الإماراتي كابرا عن كابر. أما الكرم والصبر فهما فضيلتان متوارثتان عن أجدادنا وسنورثهما لأحفادنا بإذن الله، ومن لديه شك فلينظر إلى عائلات وأسر الشهداء البررة، كبارهم وصغارهم، يحتسبون عند الله أحباءهم الشهداء ويصبرون ويصابرون، ويقدمون للبشرية جمعاء دروسا بليغة في الإيثار والعطاء.

لست هنا في مجال إعطاء دروس لأحد أو تعداد قيمنا النبيلة، فمن يعرف الإمارات وشعبها يعرف تماما ما الذي أتحدث عنه، لكنني في وارد التذكير أن استشهاد أبنائنا ليس شيئا مستغربا، ومن يعتقد ولو للحظة أن حياة الرفاه التي أنعم الله بها على دولتنا وشعبنا أنستنا من نحن فهو مخطئ وواهم، لأننا سندافع عن حياضنا وحمانا ونحمي مصالح دولتنا بالدماء والأرواح، وفي المحصلة «ما حك جلدك مثل ظفرك».

والمنطق الذي جعل الشهيد سالم بن سهيل يقف في وجه قوة عاتية طاغية بسلاح بسيط، وقد بإمكانه أن يؤثر السلامة بنفسه، إلا أن ما تربى عليه من قيم وأخلاق، وما تدرب عليه من فروسية ورجولة جعلاه يقتحم الصعب مدافعا عن أرض وسماء ومياه لا تزال إلى اليوم وستبقى ما شاء الله لهذا الدنيا أن تبقى تستذكر بطولته وتتعبق عطر دمائه الفواحة شهيدا إماراتيا مسلما عربيا حرا أبيا.

وإذا كان الشهداء هم أكرم بني البشر، فإن عائلاتهم وأسرهم هم أكرم من على وجه البسيطة. وأعتقد أن حرص أصحاب السمو الحكام وأولياء العهود على أن يكونوا في مقدمة المعزين لا يمثل تقديرا للشهداء وبطولتهم وتضحيتهم فحسب، وإنما يتجاوز ذلك إلى تقدير صبر العائلات والأسر والاعتراف بفضلهم وجميلهم، فهم الذين كرمهم المولى عز وجل بأن اختار أبناءهم شهداء عنده.

نقول دائما إن المواطَنَة تتعلق بالحقوق والامتيازات، لكن الوطنية والانتماء يتعلقان بالواجبات! وهي فرصة لكي نستذكر ونحن نحدث أبناءنا عن شهدائنا الأبرار الأخيار الأطهار أن نعرّفهم بأن الشهادة أعلى مراتب الوطنية، وأن الجندية أعلى مراتب العمل الوطني، فلا يجوز في هذا السياق الوطني الإماراتي أن يبقى هنالك متخلف مهما كان عذره عن أداء الخدمة الوطنية أو من ينظر إلى شرف الخدمة العسكرية نظرة تقليل أو استغراب.

فالدولة التي لا نحميها لا نستحقها، والوطن الذي لا ندافع عنه وعن مصالحه لا نستحق العيش فيه، ودولة الإمارات ليست امتيازات فقط، ولكنها أيضا وأيضا وأيضا تضحيات ورجولة وبطولة واستعداد دائم لبذل الروح والدم فداءً لها ودفاعا عنها.

وفي حضرة الشهادة والشهداء، أسألكم وأسأل نفسي باختصار: ماذا يعني الوطن بدون تضحيات أبنائه ... وماذا نعني نحن بدون وطن! وصدق الله العظيم وهو يقول في محكم التنزيل: «ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون» (آل عمران، 169)

حمى الله دولة الإمارات العربية المتحدة وقيادتها الرشيدة وشعبها الكريم وجيشها البطل، ورحم الله شهداءها الأطهار الأخيار الأبرار.