«إنني دائماً كما سبق أن كتبت ورددت أخشى فرحتنا، أخشى أن تستولي علينا الفرحة إلى حد أن نعيش وكأن المشكلة كلها قد حلت وانتهت، ثم نترك زغاريد الفرح تشغل عقولنا عن الترقب والحذر وعن قياس الخطوة التالية التي تصل بنا إلى تحرير كل الأرض، وكلنا اليوم نعيش في فرحة إعادة الحياة إلى قناة السويس، وقد بلغت بي الفرحة إلى حد أنني أصبحت أخشاها.. أخشى فرحتي».

هذه الكلمات ليست من عندياتي، ولكنها مقدمة مقال «حتى لا تغلبنا الفرحة» التي تصدرت الصفحة الأولى لجريدة «الأهرام»، غداة إعادة افتتاح قناة السويس للملاحة العالمية في الخامس من يونيو 1975، بعد ثماني سنوات من الإغلاق القسري، أما صاحب المقال فهو الكاتب والأديب الراحل إحسان عبدالقدوس الذي كان يشغل أيضاً منصب رئيس مؤسسة الأهرام، وهناك أكثر من سبب منطقي وموضوعي يدعونا للاستشهاد بكلماته رغم مرور أربعين عاماً بالتمام والكمال على نشرها، وكذلك لتماثل الظروف التاريخية.

فمن الناحية الشكلية يتحدث المقال عن مناسبة سعيدة عاشتها مصر ومعها أمتها العربية والعالم، تمثلت في إعادة تشغيل قناة السويس وسط فرحة عارمة واحتفالات ضخمة عاشتها مصر بمشاركة متميزة جداً من كل أنحاء العالم وعلى مستوى رفيع، وكذلك بحضور يخت «المحروسة» التاريخي تماماً كما حدث يوم الخميس الماضي السادس من أغسطس، وكأن صيف عام 2015 صورة طبق الأصل من صيف عام 1975، ولكن الغريب في الأمر أن كلمات الكاتب الكبير التي نشرها قبل أربعين عاماً كأنها كتبت كي تنشر في أيامنا هذه.

فقد حذر إحسان عبدالقدوس من الاستغراق في الأفراح والاحتفالات على حساب المخاطر الجسيمة القائمة في الشرق الأوسط وعلى رأسها استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، ما يستوجب الكثير من الحذر، وربما كانت تلك هي العوامل الموضوعية للاستشهاد بمقال عبدالقدوس الآن، فأغلب الظن أننا نشهد ظروفاً مماثلة، ففي الوقت الذي نعيش فيه فرحة غامرة واحتفالات ضخمة تعبيراً عن سعادتنا بافتتاح المجرى الجديد لقناة السويس بمشاركة عربية وعالمية مبهرة، فإن منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف في غاية الخطورة وأحداثها مفتوحة على احتمالات كثيرة تنذر بما هو أسوأ، ليس بسبب التوحش الإسرائيلي وتصاعد همجية المستوطنين ضد الفلسطينيين فحسب، ولكن ضد الدولة المصرية ذاتها رغم معاهدة السلام 1979.

ففي غمرة الفرح ونشوة الاحتفالات استبقت إسرائيل المناسبة الكبرى بتهديدات رسمية خطيرة هي الأكثر عدوانية تجاه مصر، وخطورتها ليس في مضمونها فقط، ولكن لأنها تأخذ الشكل الرسمي ولم تكن مجرد تسريبات أو تحليلات أو تناول إعلامي كما حدث في مناسبات سابقة، ولكن التهديدات جاءت على لسان قائد المنطقة الجنوبية للجيش الإسرائيلي المسؤول عن متابعة الأوضاع في شبه جزيرة سيناء، وتبناها المتحدث العسكري الرسمي، وكرر إذاعتها في تأكيد على رسميتها. أما التهديدات ذاتها فتؤكد عزم إسرائيل على شن هجمات داخل أراضي سيناء إذا ما استشعرت أن هناك ما يهددها من جانب «ولاية سيناء الإسلامية».

وليس خافياً، وكما سبق الذكر في هذا المكان، فإن إسرائيل وحدها لا تخشى داعش، وأنها تقريباً الدولة الوحيدة في العالم بمنأى عن مخاطر الجماعات الإرهابية الدولية، ولكن من الغريب أن المسؤول العسكري الإسرائيلي لم يتحدث عن تهديدات صريحة أو مباشرة وإنما عن ضربات استباقية ضد أي مؤشرات على وجود تهديدات أي أنه سيتحرك وفقاً لنوايا «خفية»، إسرائيل وحدها صاحبة الحق في تحديدها، وتلك مسألة في غاية الخطورة ويجب ألا تمر هكذا مرور الكرام.

فإذا ما أرادت إسرائيل تكرار النموذج فلن تجد أفضل من ذريعة محاربة الإرهاب لتسويق عدوانها الذي سوف تستبقه بالتأكيد بحملات سياسية وإعلامية ودبلوماسية لتسويق أكاذيبها بأن سيناء أصبحت خارج السيطرة الأمنية وأنها باتت ولاية إسلامية خاضعة لداعش وتهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، وهي تعلم جيداً أن لغتها وتبريراتها ستجد من يستمع ويستجيب لها في عواصم كبرى خصوصاً في واشنطن، ولاشك في أن ما يحدث في مصر حالياً يزعج أطرافاً عدة على رأسها الكيان الصهيوني الذي قد يرى في عودة مصر واستقرارها وانتعاشها خطراً عليه، ما يستوجب تدمير المشروع الناهض في بداياته وهز هيبة وكرامة الدولة المصرية.

وفي ضوء تلك الظروف وهذه المشاهد المخيفة قد يكون من المناسب أن نعود إلى خاتمة مقال الكاتب إحسان عبدالقدوس، وفيها يقول: «إننا ومع إعادة فتح القناة لانزال نعيش في غابة تضم كل الاحتمالات وإذا كنا اليوم نمر في مرحلة التحرك السياسي العالمي فإن هذه المرحلة هي في تصوري أشبه بمائدة للعب القمار ولعب البوكر بالذات، يجلس حولها كل أشخاص القيادات العالمية والمحلية المسؤولة، وكل منهم لا يعلم حقيقة ما في يد الآخر من أوراق أي من نيات، وكل منهم لا يعلم من سينتهي بالاستيلاء على الصفقة، وكل منهم يقدر أن الآخر يمكن أن يغش في اللعب، وإني أقول كل هذا الكلام حتى أخفف من فرحتي بإعادة فتح القناة وحتى لا تغلبني الفرحة على تقدير أننا لم نصل بعد إلى كل أرضنا»

هذا التحذير الذي أطلق قبل أربعين عاماً هو جرس إنذار لنا جميعاً حتى ننتبه ونبادر باتخاذ الإجراءات المناسبة لمواجهة المخاطر المحيطة بنا، فالمطلوب الآن أن ننجح وبعدها نفرح.. إلى ما يشاء الله.