سيظل المعلم هو قطب الرحى في المنظومة التعليمية مهما تنوعت سبلها وتباينت استراتيجيتها، وأياً كانت المعينات التكنولوجية التي تأخذ بها، بداية من اللوح الخشبي وليس نهاية باللوح الإلكتروني. وأياً كانت طبيعة المناهج ما بين الاعتماد على التلقين أو الذهاب بعيداً لقدح الشرارة الذهنية وإيقاد الفكر، في كل ذلك المعلم حاضر وبقوة وركيزة أساسية أياً كان دوره، منسقاً للعملية التعليمية ومساعداً في تسهيل حصول الطالب على المعلومة، أو كما كان في زمان فات بطل المشهد التعليمي وحامل قنديل النور لطلابه.

لذلك احتفظ المعلم بمكانته لعقود طويلة، كما أن كل الرياح التي هبت حاملة أدوات تعليمية وتكنولوجية جديدة، يبدو أن دور المعلم حيالها يتوارى لم تفلح في أن تقدم البديل عن المعلم الذي يقف بين طلابه لحماً ودماً، يأنسون به ويشعر بهم، يسألونه فيجيب، يسترشدون فيرشدهم، يحتاجون إلى التوجيه فيوجههم، هكذا كان وهكذا سيظل المعلم، عمودَ الخيمة، بقوته وتمكنه ترتقي العملية التعليمية، وبضعف مهاراته وعدم إيمانه بقيمة ما يؤديه أو عند انعدام الدافعية لديه تضعف العملية التعليمية ويرق مردودها.

إننا عندما نقول العملية التعليمية فهي تعني حالة من التفاعل بين عناصر، وليست في اتجاه واحد، وحلقاتها المعلم والطالب والمنهج والمعينات التعليمية، غير أن أهم عناصرها هو المعلم؛ لأنه حامل المادة التعليمية ومقدمها ومفسرها وميسرها، كما أن مهارة المعلم وقدراته قد تعوض الخلل أو الضعف في باقي الحلقات.

ولأن الأمر على هذا القدر من الأهمية كان أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بتنفيذ برنامج «رفاهية وتقدير أسمى المهن». والبرنامج يعني أنها عملية مستمرة ومتعددة الاتجاهات، وأنها سلسلة من الإجراءات التي من شأنها أن يتبوأ المعلم المكانة التي تليق به ويستحقها، معلماً يتعاطى مع أسمى المهن بالتزام وتفانٍ واقتدار.

إن خطورة وأهمية دور المعلم في آن معاً، وخاصة في المراحل التعليمية الأولى، أنه ليس فقط حامل المادة التعليمية ومقدمها، وهو أمر تتعدد فيه البدائل أمام الطالب عبر المعينات والوسائل التكنولوجية كافة، غير أنه نموذج حي يقتدي به غيره، وله دور لا غنى عنه لتشكيل الفكر وتنمية الوعي، وتكوين شخصية طلابه، وفي حياة كل منا منذ حبونا على طريق العلم حتى أصبحنا معلمين، في حياتنا بصمات لم تمحَ لمعلمين، من سلوك قويم، أو فكرة صائبة، أو موقف إنساني تعاطى معنا فيه، أو نصيحة أب، أو حنو أخ، أو زجرة مرشد للطريق الصواب، أو فكرة ملهمة، أو قصة مؤثرة تلاها علينا، أو ألفة صديق اقترب منا، أو حزم يبطن بالحب، وحب لا يخلو من الضبط، وقسوة لم تستطع أن تخفي عطفاً، وعطف لا يعدم من الزجر عند الحاجة، ومنع يبدو كعطاء، وعطاء يبرأ من التفريط، واقتراب لم ينقص الهيبة، وهيبة لا تحمل الخوف، وخوف لم يقتل المحبة، ومحبة لا تعني الضعف، وضعف حقيقته القوة، وقوة في حقيقتها تواضع، وتواضع في حقيقته إباء ورفعة، ورفعة في غير تكبر وتعالٍ، وتعالٍ يحمل العلم، وعلم ينفع الناس ويؤثر في حياتهم.

إن حدود المعلم لا تتوقف عند حمل العلم وتقديمه إلى طلابه والحث على السير في طريقه والنهل من مصادره فحسب، لكنه مؤتمن على أدمغة طلابه بتشكيل فكرهم وتكوين شخصيتهم وترشيح مصادر المعرفة، لذا كان تأكيد صاحب السمو على تنفيذ برنامج رفاهية المعلم وتقديره «بما يهيئ بيئة محفزة على الابتكار والإبداع والأداء المتميز، وبما يجعل المعلم قادراً على المساهمة في تحقيق أجندتنا الوطنية ومحاور رؤية الإمارات 2021، وأهمها بناء تعليم عصري يواكب تطورات التحول إلى الحكومة الذكية».

ولا شك أن ذلك لن يتحقق إلا بتعزيز التكامل وثقافة التعاون والحوار بين وزارة التربية والتعليم والمناطق التعليمية في الدولة والقيادات المدرسية والتعليمية، تعاون يحمل عن المعلم إرهاق عدد من الساعات الدراسية التي تثقل كاهله، يعوزه معها أداء واجبه على الوجه الأكمل، فيحمله إلى منزله لتكتمل دائرة الإرهاق التي جعلت البعض يعزف عن مهنة التدريس رغم قدسيتها، تعاون يدقق في انتقاء وتأهيل الكفاءات القادرة على أداء رسالتها، تعاون لا يستثني المدارس الخاصة من المعايير التي تشترطها الوزارة في توسيم المعلمين، ويجعل خطط التطوير تبدأ من المعلم، ثم المعلم.