أكتب هذا المقال صبيحة يوم الجمعة 7 أغسطس 2015، من شرفة تطل على نهر النيل، في الدور الثالث والعشرين من فندق «فور سيزنز» القاهرة، والشمس ترسل خيوطها الأولى لتنعكس على صفحة هذا النهر الخالد، ونحن نستعد لمغادرة عاصمة العرب الأولى، بعد زيارة نظمها «المكتب التنسيقي للمشاريع التنموية الإماراتية في مصر»، لحضور الاحتفال العالمي، بمناسبة الافتتاح التاريخي لقناة السويس الجديدة، يوم 6 أغسطس 2015، وعبور أول سفينة لها، بعد النجاح غير المسبوق في الانتهاء من مخطط التجريف في عام واحد، بمشاركة «تحالف التحدي» بقيادة «شركة الجرافات البحرية الوطنية» الإماراتية.
وأستميحكم عذراً في تشابه هذه المقدمة مع مقدمة مقال سابق نشرته في هذا المكان، يوم 17 نوفمبر 2014، مع تغيير التاريخ والمناسبة، بعد زيارة مشابهة نظمها وقتها «نادي دبي للصحافة»، قابلنا خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي، واستمعنا إلى رئيس الوزراء إبراهيم محلب، وحضرنا الحفل الذي أقامته «هيئة قناة السويس» مع «تحالف التحدي» يوم 13 نوفمبر 2014، بمناسبة وصول الجرافات البحرية، لتباشر أعمال التجريف في قناة السويس الجديدة.
ما بين 13 نوفمبر و6 أغسطس 266 يوماً، تم خلالها الانتهاء من أعمال التجريف البحري في مشروع قناة السويس الجديدة، ويفي المصريون بما وعدوا به العالم، وينجزوا المشروع في أقل من عام، كي يعيش الشعب المصري يوم افتتاح القناة الجديدة مهرجان فرح، أعاد له الثقة بنفسه، وبقيادته التي وعدت فأنجزت.
وقد شاهدت بنفسي، مع الزملاء أعضاء الوفد الإعلامي الإماراتي، فرحة المصريين بإنجازهم التاريخي، وعشنا معهم هذه الفرحة في موقعين لهما أهميتهما ورمزيتهما في القاهرة؛ الموقع الأول هو «قهوة الفيشاوي»، أشهر وأقدم مقاهي القاهرة الواقعة بين مسجد الحسين، وخان الخليلي والجمالية والأزهر والغورية، بما لهذه الأماكن من عراقة تعبر عن روح الشعب المصري الممتدة عبر الماضي، والموقع الثاني هو «ميدان التحرير» الشهير، بما للميدان من رمزية تعبر عن إرادة الشعب وتصميمه في الحاضر.
دعوة «المكتب التنسيقي» للوفد الإعلامي الإماراتي جاءت لتحقيق هدفين؛ الأول هو أن نعيش هذا الحدث التاريخي مع الشعب المصري، بين أصحاب الفرح أنفسهم، وقد تحقق هذا الهدف بشكل رائع، أما الهدف الثاني فكان تسليط الضوء على مبادرات دولة الإمارات في تعزيز التنمية الاقتصادية والأمن والاستقرار في مصر والمنطقة، وذلك من خلال الاطلاع على عدد من المشاريع التنموية التي قامت الدولة بتنفيذها في مختلف المحافظات المصرية، عبر نموذج فريد يهدف إلى تحقيق تأثير فوري على حياة الأشقاء في مصر، وعلى حياتهم اليومية المعاشة، في مجالات حيوية تشمل الطاقة والإسكان، والأمن الغذائي، والتعليم والتدريب المهني، والرعاية الصحية، والنقل والمواصلات.
وذلك لما لهذه القطاعات من دور كبير في تحقيق نتائج إيجابية ملموسة، يستفيد منها المواطن المصري بشكل مباشر وسريع، خاصة في الأماكن البعيدة، التي عادة ما تتأخر المشاريع التنموية المحلية في الوصول إليها، ويعاني فيها المواطنون من نقص هذه الخدمات.

ما استمعنا إليه من الأخوة في المكتب التنسيقي للمشاريع التنموية الإماراتية في مصر، وما شاهدناه من نماذج موثقة في أفلام تسجيلية عن هذه المشاريع، وما رأينا منها على أرض الواقع، لا يمكن أن يحيط به مقال مهما كانت مساحته، ولا يمكن أن تلم به زيارة مهما كانت مدتها، لأن ما تحقق خلال هذه الفترة القصيرة منذ إنشاء المكتب التنسيقي يفوق الخيال، وما يبذله الأخوة العاملون في المكتب يفوق الوصف.
وإذا كان إنجاز قناة السويس الجديدة في أقل من عام يعد نموذجاً لإنجاز المشاريع الاقتصادية الكبرى، فإن تنفيذ «المكتب التنسيقي» لكل هذه المشاريع التنموية في هذه المدة القياسية، وبهذه الجودة العالية والدقة المتناهية، يعد نموذجاً فريداً لإنجاز المشاريع التنموية، وهو نموذج انتهجته دولة الإمارات، ويجب أن تقتدي به الدول الأخرى في إيصال مشاريعها التنموية في الدول الشقيقة والصديقة إلى المستفيدين منها مباشرة، وبأسرع وقت ممكن، كي يلمس المستفيدون من هذه المشاريع نتائجها، ويشعروا بفائدتها في حياتهم اليومية. وهذا هو ما شاهدناه في المواقع التي زرناها في مصر خلال فترة الزيارة.
شهادتنا في شباب «المكتب التنسيقي» لن توفيهم حقهم، مهما كتبنا أو تحدثنا عنهم، لأن شباباً يدعمهم قائد مثل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويشرف عليهم ويتابعهم بشكل مباشر وزير مثل الدكتور سلطان الجابر، وزير الدولة رئيس المكتب التنسيقي للمشاريع التنموية الإماراتية في مصر، هم شباب جديرون برفع اسم دولة الإمارات عالياً، ووضعها في المكانة التي تستحقها، وجعل كل الشعوب والحكومات تنظر إليها على أنها النموذج الأمثل للدول في الخارج، تماماً مثلما هي النموذج الأمثل للدول في الداخل.
خلال الأيام التي قضيناها في القاهرة، سعدنا برفقة الوزير الدكتور سلطان الجابر، الذي حرص على أن يكون معنا في مقر إقامتنا، وأن يصطحبنا معه أثناء تسليم المشروعات التنموية التي تم إنجازها للحكومة المصرية، وأثناء توقيع الاتفاق التنفيذي بين الأزهر الشريف وحكومة دولة الإمارات.
والحق يقال؛ إننا رأينا وزيراً إماراتياً، جعلنا نشعر بأنه عضو في الحكومة المصرية، خاصة بعد أن غدا يتردد على مصر، منذ إنشاء المكتب التنسيقي، أكثر مما يقيم في الإمارات، وأكثر من هذا؛ شعرنا أنه واحد من أفراد الشعب المصري، تماماً مثلما يشعر كل الإماراتيين المحبين لمصر وأهلها الطيبين.