إسماعيلية «رايح جاي» !

ت + ت - الحجم الطبيعي

ما الذي جمع بين سفري إلى الإسماعيلية يوم الخميس الماضي في وقت مبكر من الصباح؟ وعودتي في وقت متأخر من الليل؟ والفيلم القديم: إسماعيلية «رايح جاي»؟ الذي تم إنتاجه وعرضه قبل ثمانية عشر عاماً. جمع بينهما وجود الفنان محمد هنيدي معنا في الرحلة.

بدأ ظهوره عندما اتصل تليفونياً بصديقه الفنان شريف منير. وأبلغه أنه تائه. ومن الصعب عليه الوصول إلى نادي الدفاع الجوي. حيث من المفترض أن نلتقي قبل التحرك إلى الإسماعيلية. قابلنا محمد هنيدي ونحن على مشارف الإسماعيلية. كانت هناك تعليمات أن يستقل الجميع الأتوبيسات الصغيرة المكيفة. حتى مجلس الوزراء بكامل تشكيله. استقل أتوبيساً كبيراً. واستقلت السكرتارية والحراسات أتوبيسات صغيرة وراءهم.

كنت أريد تذكير محمد هنيدي بالفيلم القديم الذي أعتبره فيلماً جديداً بعد أحداث سفرنا وعودتنا في نفس اليوم. وهو ما جرى لنا قبل عام. عندما حضرنا تدشين المشروع ووضع حجر أساسه. وما كنا نتصور أنه بعد عام بالضبط – بالدقيقة والثانية – سيتم افتتاح القناة الجديدة ونرى رؤية العين المجردة التقاء الحلم القديم بالحلم الجديد. وذلك من خلال لحظة ومكان تلاقي مياه القناة القديمة بمياه القناة الجديدة. ورأينا السفن العملاقة. سفن العالم تعبر أمامنا محملة بالبضائع وتوجه لنا التحايا لحظة عبورها. ونحن نرد على التحايا بالصفيق والصفير والهتاف.

لكن محمد هنيدي لم يعد معنا. بعد انتهاء الجزء الأول من الاحتفال. وبعد الخامسة بعد الظهر لمح محمد هنيدي الدكتور حسن راتب. وقد تمكن من إدخال سيارته الخاصة إلى مكان الاحتفال. لا أعرف هل هنيدي طلب من حسن راتب أن يرافقه فى رحلة القاهرة؟ أم أن حسن راتب عرض عليه ذلك؟

الإسماعيلية «رايح جاي» فيلم يدور حول تهجير سكان مدن القناة بعد السابع والستين من القرن الماضي. وعودتهم إلى مدنهم بعد السادس من أكتوبر 1973. وكان عرضه إيذاناً ببداية صفحة جديدة في تاريخ السينما المصرية اسمها: سينما الشباب. أبطالاً ومؤلفين ومخرجين. التي حاولت أن تدون فصلاً مغايراً في تاريخ السينما المصرية مع ما له وما عليه.

قبل عام كنت هنا. وفي خيمة أعدت على عجل ووسط أعداد من أهالي الإسماعيلية سمعنا تفاصيل الحكاية. ورأينا الرئيس عبد الفتاح السيسي وهو يناقش الفريق «مهاب مميش» في الوقت المطلوب لإنجاز المشروع. بدأ الحلم الكبير بسنوات خمس. لكن الرئيس السيسي استطولها واستكثرها لتنفيذ المشروع. وطلب تخفيضها. وقد دهشت عندما رأيت مهاب «مميش» يخفضها لثلاث سنوات.

وأوشكت أن أعتبر أن المشهد قد انتهى عند هذا الحد. وسنلتقي بعد ثلاث سنوات لكي نشهد الافتتاح. لحظتها قلت لنفسي العبارة التي أحضرتها معي من قريتي في منتصف ستينيات القرن الماضى: يا ترى مين يعيش؟! وقبل أن تستدير العبارة بداخلي وتصل لمنتهاها. كان الرئيس يشير بإصبع واحد وحيد من يده اليمنى قائلاً: سنة واحدة. ووصلت الدهشة لآخر مداها عندما وافق الفريق «مهاب مميش». ولحظتها وقف اللواء «كامل الوزير» مسؤول الهيئة الهندسية في القوات المسلحة ليؤكد على كلام مميش. وأن الحلم سيعرف طريقه للتنفيذ وسيعبر المسافة من القدرة على الأحلام إلى الواقع خلال سنة.

سنة واحدة لحفر قناة جديدة في مناطق صخرية لم يتمكن من حفروا القناة القديمة من الاقتراب منها. وتركوها كما هي. لا تشكل أرضاً مستوية. بل فوقها جبل رأيناه يومها شديد الوضوح. ولذلك تأجل المشروع 146 عاماً. لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه. إلى أن وصلنا إلى زمن تأكد المصريون من قدرتهم على جعل المستحيل ممكناً.

زرت المكان ما بين إشارة البدء والافتتاح مرتين. مرة منهما كانت بطائرة قدمها لنا اللواء محسن عبد النبي، مدير الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة. حيث رأينا الحلم ونحن في المسافة بين السماء والأرض. ولن نصدق أنفسنا إلا بعد أن نزلنا على الأرض وأتى الفريق «مهاب مميش» مستقلاً لنشاً لنمشي في مياه كانت تجري تحت المنطقة التي كان يغطيها جبل ما كان يتصور إنسان أنه يمكن حفر قناة مكانه خلال سنة واحدة لا أكثر.

يومها عدت منفعلاً بما رأيته. باحثاً طوال رحلة الذهاب والعودة بالطائرة عما يمكن كتابته. كنت أسأل نفسي: هل ترقى الكلمات لمستوى الفعل؟ هل ما زالت في مفردات اللغة العربية من المفردات والجمل والعبارات ما يمكن أن يوصل إحساسي الذي أشعر به للمصري العادي الذي سيقرأ ما أكتبه وهو جالس في بيته أو في مكتبه أو على المقهى أو في وسيلة مواصلات يطالع المكتوب؟

كان عنوان المقال: الوضوء بماء قناة السويس. وما زلت أذكر أن العنوان خرج للدنيا دن تخطيط مسبق. ودون بحث عما لم يكتب من قبل. ولا جرى وراء غريب الكلمات ولا متفرد الجمل والعبارات.

كنت أشاهد إنجاز شعب تمثل في قواته المسلحة وإدارة هيئة قناة السويس ومن ورائهما المصريون يريدون لهذا الحلم أن يتحقق. وللمشروع أن ينجح حتى يساعدنا على الخروج من نفق ما جرى وما مضى. وأن نستعيد أهم صفة في المصري وهي أنه عندما يريد يستطيع أن يجعل المستحيل ممكناً والحلم حقيقة والأمنية واقعاً.

ليست نهاية ملحمة. ربما كانت بداية.

طباعة Email