ركب »عوير« و»زوير« الطائرة المتجهة لبرشلونة حاملين معهما خطةً »ما تخرّش الميّة«، فالنجاحات التي تحققت يمكن أن تصبح أكبر، وما دمت تمتلك الأدوات المساعدة للتفوق فلا بد من استغلالها إلى الدرجة القصوى قبل أن تشيخ وتفقد قدراتها وتندم حين لا ينفع الندم!

دخلا مبنى نادي برشلونة كمُلّاك جُدد له وخلفهما يركض ببدلته وشنطته السوداء خبيرهما العبقري »شاورما«، وخلال الاجتماع بمجلس الإدارة تفنن الخبير بعرض الباوربوينت واستخدام الكلمات الطنانة واستعراض أفضل الممارسات العالمية التي تتعمّد إشعارك بالنقص!

الخطة كانت تقضي بـ»تفنيش« المدرب الحالي لويس إنريكي لعدم قدرته على استغلال كامل قدرات ميسي ونيمار وسواريز ورفاقهم وكون المهمة أكبر بكثير من طاقته، والبدء بتطبيق التخصصية التامة، فبما أن دور الجناح الأيمن مختلف عن قلب الهجوم وصانع اللعب مغاير للارتكاز والظهير الأيسر له مهام لا تشبه قلب الدفاع، فقد تفتّق ذهن عوير وزوير »وفعلياً كانت فكرة أبوشاورما والتي يبدو أنه استقاها من المحل الذي كان يعمل به« عن تخصيص مدرب لكل لاعب، بمعنى 11 مدرباً لمثلهم من اللاعبين لضمان تطوير قدراتهم والتركيز على الـ Core Business كما يقول »شاورما« ويكرر دوماً، ومنعاً لتداخل الصلاحيات انتقل كل لاعب إلى مبنى مستقل يتسمّى بمركزه، فهذا نادي ميسي وذاك نادي راكيتتش إلى آخر القائمة، وبالطبع تم تعيين موظفي استقبال ودعم مؤسسي وكادر طبي وفريق تأهيل بدني بكل مبنى بعد أن كان يقتصر ذلك على مبنى النادي الرئيسي، لكن لا بد من التخصص كما يقول أبو أفضل الممارسات »شاورما«!

في أول مباراة كان صراخ المدربين عالياً وكل واحدٍ ينادي على لاعبه الذي يدربه، واتضح الغياب التام للتنسيق والتعاون، فالكل يعتبر نفسه فريقاً لحاله ويحمل خطة لعب مختلفة، والنتيجة كانت خسارة مدوية لأنه لم يكن ثمّة (فريق) فعلياً!

اجتمع عوير وزوير بالخبير أبو شاورما: »يا بوي شو صار؟ فريق توه صاعد يغلبنا!«، رفع الخبير نظارته وهو يبتسم ابتسامة القط توم وهو يدبر خطة للفأر جيري: »الموضوع بسيط، نحتاج إلى مدير للمدربين«، وهكذا تم تعيين مدرب يكون مسؤولاً عن المدربين ومَن تحتهم من لاعبين لضمان التنسيق في خطط اللعب، ولكن بقي المدربون يشحنون لاعبيهم بألا يمرروا الكرة لزملائهم حتى لا يسرقوا الأضواء عنهم وبالتالي حتى لا يسرق مدرب أضواء مدرب آخر، وهُزم الفريق في المباراة التالية والتي تليها، ثم في الرابعة كانت الجماهير ترمي عوير وزوير وبيّاع الشاورما بالحجارة من مبنى النادي حتى المطار!

هذه القصة تتكرر كثيراً عند من لا يستوعب نظرية النمو الطبيعي للمؤسسات، فالمؤسسات كائنات حيّة، ذات نمو طبيعي شبيه بنمو البشر، وعندما يمرض جزء حيوي لا بد أن تتم معالجته بصورة منطقية ومتأنية دون تسرّع ودون علاجات أقرب للشطح منها للعقل، وأعْرَف من يعرف علاج أمراض المؤسسة هم موظفوها وليس »أبو كرافتة« القادم بلسان يقطر عسلاً و»لابتوب« يعجّ بالـ»باوربوينتات« الـمُعلّبة!

ليس هناك شيء أسهل من التمزيق، ولا أيسر من إحضار »استشاري« ليُلمِّع فكرة تمزيق المؤسسة المتماسكة والمتكاملة، ويُهدِّد بعظائم الأمور إن لم يتم ذلك وبسرعة وعلى الطاولة تبْرق الكثير من العيون ويسيل لُعابها وهي تُعَشِّم أنفسها بأن يكون لها قطعة من تلك الكعكة التي تقطّعها سكين »أبو الشاورما« العابثة!

إنّ ما لا خطأ فيه لا يجب المساس به حتى لو لم يكن مثالياً، فالصورة المثالية لا توجد إلا في مخيلة الحالمين، ولا يجب القفز لبريق فكرة »التطوير« ما لم تكن هناك دراسة منطقية للعائد من التطوير وجدواه، وليس التطوير لمجرد سماع الكلمة والإعجاب بها ثم يتم »خبص أبو خامس« المؤسسة في مغامرة غير محسوبة وغير مفهومة تجعلها تتعثر لسنين طويلة وتتردى بالتبعية خدماتها للمجتمع المحلي، وتصحو بعد كل تلك الأوهام التي لا يدعمها سوى »باوربوينت« مُعلّب ومزركش فلا تجد العمل قد تطوّر لا كماً ولا كيفاً، ولكن تجد عدداً مهولاً من المديرين، وما كان قسماً صغيراً بالأمس أصبح مؤسسة كبيرة بها عدد كبير من الموظفين الذين لا يعملون شيئاً -سوى المجموعة المسكينة السابقة التي تؤدي ذات العمل- يقضون أول سنتين في إعداد السياسات واللوائح ثم السنتين اللتين تليهما في مراجعة هذه السياسات في حلقةٍ مفرغة لا تنتهي!

أعدى أعداء الإنسان هو فكرته، لأنها تتحكم به بطريقة غير منطقية لدرجة تجعله، دون أن يشعر إن أحسنّا الظن، يبحث عمّن يؤيد فكرته ويصفق لها فقط، ويتحسّس ويمتعض ممن ينتقدها أو يحاول بيان الانحراف والخطأ فيها، فالخطأ كالنار تماماً، يبدأ بذات الحجم الصغير ثم يختلف حجمه في المرحلة التالية، إمّا أن يكون خطأ يسيراً يتم معالجته أو التراجع عنه، أو يتمدد ويصبح ناراً تحرق الأخضر واليابس، ويكابر صاحبه بالبحث عن قرارات جديدة تتسق مع القرار الخاطئ لمحاولة تلميع فشله حتى لا يشمت به من عارضوه في البداية، وهو ما يسمى بمصيدة المرساة Anchor Trap فيتسع نطاقه وتتعذّر معالجته.

أثر المؤسسات يُقاس بنتائجها وإيفائها بحاجات المجتمع، وقوّتها بتقارب إداراتها ومركزية اتخاذ القرار بها، وطوّر ما شئت مع الوقت من خلال توصيات من يقوم بالعمل نفسه، وأَعِدْ لاعبي برشلونة للمبنى المركزي وبمدرب واحد فقط ثم ابتعد عن طريقهم واستمتع بالإنجازات، أمّا »شاورما« فأعِدْه بدوره إلى محل الشاورما الذي أتى منه!