التكوين الإنساني لعبد الناصر

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم يصدقني الأستاذ محمد حسنين هيكل عندما قلت له إن الزميل غالي محمد سليمان رئيس مجلس إدارة دار الهلال ورئيس تحرير المصور، عثر على ست مقالات كتبها جمال عبد الناصر في مجلة المصور في سنوات الثورة الأولى، سألني باهتمام: من الذي كان رئيساً لتحرير المصور في ذلك الوقت؟.

سألت غالي فقال لي كانا فكري أباظة وأحمد بهاء الدين. عاد الأستاذ هيكل لعدم التصديق، قال لي من الصعب أن يطلب أحدهما من عبد الناصر في ذلك الوقت كتابة مقالات للمصور. ثم عاد يسألني عن حلمي سلام، ماذا كان موقعه في مجلة المصور ودار الهلال؟ عدت أسأل غالي الذي قال لي: إن حلمي سلام كان مدير تحرير المصور وقتها.

قال الأستاذ هيكل بيقين مطمئن: حلمي سلام كان يمكن أن يطلب من عبد الناصر كتابة مقالات وكان من الطبيعي أن يستجيب عبد الناصر ويكتب له مقالات، ورغم متابعتي الدقيقة والدؤوبة ومعاصرتي لهذه الأيام لحظة بلحظة وساعة بساعة ويوماً بيوم وتدويني لمذكرات يومية، إلا أنني لأول مرة أعرف أن عبد الناصر كتب مقالات في مجلة المصور.

طلب مني الأستاذ هيكل – ونادراً ما يطلب أي شيء – أن أحضر له هذه المقالات بسرعة ليقرأها، تجرأت وطرحت عليه فكرة أن يكتب مقدمة للكتاب، قال لي: ولم لا؟ قال: نحن في أمس الحاجة للعودة إلى هذه الأيام التي سادت فيها فكرة التحرر الوطني والارتباط بالوطن والقومية العربية، كل هذه الأمور أصبحت مهددة الآن. ولدينا أجيال جديدة لم تترب عليها والتاريخ بالنسبة لها مجرد صفحات في كتب ربما لا يعودون إليها إلا بحكم الدراسة فقط.

حملت المقالات الست للأستاذ هيكل: ثلاث حقائق أؤمن بها، لن نعيش عالة على الآخرين، نحن العرب، نحو قومية عربية إسلامية، مصر مهد الصناعة، جمال عبد الناصر يروي قصته كاملة، كانت هذه عناوين المقالات الست ومعها رسائل جمال عبد الناصر ابتداءً من سنة 1935 ثم رسائل عبد الناصر من حرب فلسطين من 15 مايو 1948 إلى حصار الفالوجا من أكتوبر 1948 إلى فبراير 1949.

لكن ظروف الأستاذ هيكل وتعرضه وقتها لعلاج طبيعي يومي حالت دون أن يكتب المقدمة، يومها تحدث مطولاً عن إنسانية عبد الناصر وقال إن التكوين الإنساني لعبد الناصر غاب عنا، خصوصاً أن من عاصروه ينقرضون الآن ومن رأوه رؤيا العين أصبحوا قلة في المجتمع المصري والعربي والإسلامي، إن التوقف طويلاً أمام التكوين الإنساني لجمال عبد الناصر مسألة شديدة الأهمية.

حكى حكايات أغرتني بالسؤال الذي أقمعه ولا أنطق به في كثير من لقاءاتي معه. هل كتب الأستاذ مذكراته؟ استبدلت السؤال بسؤال آخر: لماذا لا يحاول هو أن يقدم التكوين الإنساني لجمال عبد الناصر؟ وقد كان الأقرب إليه، كانت المسافات قد اختصرت بينهما، كان بجوار سرير نوم جمال عبد الناصر تليفون متصل مباشرة بتليفون آخر بجوار سرير الأستاذ هيكل، هذا في البيت، أما في المكتب، فقد كان على مكتب جمال عبد الناصر تليفون مباشر إن رفع السماعة يرد عليه هيكل لو كان في مكتبه، فقد كانت الوصلة مباشرة بتليفون موضوع على مكتب الأستاذ هيكل، لن أدخل في حكايات التداخل الإنساني الشديد في العلاقة بينهما ولن أذهب بخيال الروائي وتصوراته إلى القول أنه كان من الصعب أن نعرف أين ينتهي عبد الناصر؟ وأين يبدأ هيكل؟ علاقة إنسانية فريدة متفردة وفرادتها وتفردها تفرض على هيكل أن يدوِّن شهادته عن عبد الناصر الإنسان.

وافقني الأستاذ على الفكرة واستحسنها، لكنه قبل الحادث الذي وقع له أخيراً وسافر إلى لندن للعلاج منه وعاد إلى مصر بين يديه مشروع كتاب جديد سيكون مدهشاً في موضوعه.

ولأن الرجل كان حريصاً على أن يكون الكلام في إطار لقائنا قال لي أكثر من مرة أن هذا الكلام لك فقط وليس للنشر، وهو يعرف أنني أحافظ بدقة تتناقض مع فوضى الفنان والأديب بداخلي على أمانة اللقاءات معه.

طباعة Email