عرّفت العرب الذهن في لغتها بأنه الذكاء والفطنة والعقل، ولهذا تواضع الناس على اعتبار أن الذهن والعقل مترادفان، كما تحدث علماء الإناسة عن ذهنية الأمم والشعوب والجماعات، بمعنى طريقة تفكيرها.

وإذا ما تحدثنا عن الذهن بعامة فهو، ولا شك، خزان معرفة وطريقة في التفكير، وطريقة التفكير ذات ارتباط صميمي بخزان المعرفة هذا، فليس باستطاعتنا أن نتحدث عن تفكير بلا معرفة، فكل ما في ذهننا من معارف تتحول إلى أدوات تفكير بالأشياء والقضايا والمشكلات، تفكير بالماضي والحاضر والمستقبل.

إذا كان الأمر كذلك، وهو في الحقيقة كذلك، فإن الأذهان تختلف وتتفق بناءً على ما تختزنه من معارف وطريقة تحويلها إلى طريقة في التفكر.

ولما كانت التجربة تمدنا بمعارف جديدة عن العالم والواقع والمحيط، ولما كان الواقع والعالم والمحيط في سيرورة متغيرة، ويمدنا هو الآخر بطاقة جديدة للتفكير، فإن الذهن في حالة مستمرة من التجديد والتطوير والإثراء، أو قل: هكذا يجب أن يكون.

غير أن هناك ظاهرة من أخطر الظواهر على التفكير وبالتالي على الحياة هي ظاهرة التكلس الذهني، سواء كان هذا التكلس تكلس فرد أو تكلس جماعة.

والتكلس الذهني هو نوع من ثبات الشخص أو الجماعة عند مستوى من المعرفة المرتبط بواقع أتى عليه الزمن، والتفكير انطلاقاً منه بعالم جديد.

إن التكلس الذهني حالة خطيرة إذا ما تمكن هذا التكلس من الفاعلين الاجتماعيين والفاعلين السياسيين والفاعلين الفكريين، لأنه يعيق اتخاذ القرارات المناسبة المتعلقة بالعالم الجديد.

تخيل أيها القارئ العزيز مفكراً ما زالت أدواته المعرفية مستندة إلى مرحلة الحرب الباردة ويحلل الواقع الراهن المتعولم والمتعدد الأقطاب والمتغير في علاقات القوة التقنية والعلمية والاقتصادية والمعرفية والمعلوماتية،

أو تأمل ما الذي سيصدر عن شخص ما زال ينظر إلى العالم على أنه داران، دار الكفر ودار الإيمان، وإن هناك صراعاً أبدياً بين الدارين، هذا الشخص هو الآخر مصاب بداء التكلس الذهني.

وانظر ما هو مصير من يعتقد بأنه قادر على إدارة الحياة بشعارات أكل عليها الدهر وشرب.

وما الذي يمكن أن يكون عليه واقعنا إن نحن لم نر التغيرات العاصفة في النظام العالمي والنظام الإقليمي وتزايد الحاجات الداخلية وتنوعها.

والحق إن هناك، في كل مجتمع، أذهاناً قديمة متكلسة وأذهاناً جديدة حيوية، ومنطق الحياة يؤكد هذا الواقع وانتصار الذهن الجديد في النهاية، بوصفه استجابة لمنطق الحياة، لكن ترك الأمور لحالها الطبيعة العفوية قد يطيل أمد الصراع، ويعيق حركة الواقع، ولهذا يجب بذل جهد معرفي، وبخاصة في ظل توافر وسائل الاتصال المتعددة الآن، لتعزيز الذهن الجديد بكل أدوات المعرفة والتحليل والتفكير في آخر صورها، وليس هذا فحسب بل علينا أن نكون فاعلين في اجتراح طرق التفكير، فاعلين في الإبداع المعرفي وليس مجرد متلقين سلبيين.

ولا يحسبن أحد أن الذهن المتوقد الفطن والذكي والعقلاني ضروري لجانب من جوانب الحياة دون غيره، إن كل صعد الحياة مترابطة وتشكل شبكة واحدة، فالسياسة لا تنفصل عن الاقتصاد والاقتصاد لا ينفصل عن المعرفة والمعرفة لا تنفصل عن الاقتصاد والسياسة، وكل هذا لا ينفصل عن الأمن والاستقرار.. وهكذا.