حين يتصالح «الشيطان الأكبر» مع «محور الشر» فلا بد للخير أن يتحسس رأسه.

بعد أن تم التوصل إلى اتفاق حول الملف النووي الإيراني في جنيف وتوجه مجلس الأمن بإقراره بالإجماع فلا بد من التفكير في مرحلة ما بعد الاتفاق، وبخاصة ما يتعلق بنا نحن العرب.

ليس مهماً الحديث عن السلاح النووي هنا، وقد كان هو الهدف، وليس الطاقة السلمية كما يدرك الجميع، لكن إيران ستبقى على امتلاك ذلك السلاح إذا قررت التحدي من جديد وتحمل التبعات، ولذلك سيندفع آخرون في المنطقة نحو امتلاك الطاقة السلمية.

الشيء الأكيد والواضح هو أننا على مشارف مرحلة جديدة في منطقتنا، ستشهد تغييرا كبيرا في التحالفات، لن نشهد صداقة حقيقية بين واشنطن وطهران، وستكون فرصة استثمارية للعديد من الدول والشركات.

لقد كانت دول الغرب وروسيا (5+1) بحاجة الى مرحلة هدنة لتنفيذ تغيير خارطة المنطقة بما يحفظ مصلحة إسرائيل، المرتبطة بها استراتيجياً وأخلاقياً ونفسياً امتثالاً لعقدة الذنب تجاه ما سمي بالمحرقة النازية. ولتمهيد الأرض العربية لمرحلة جديدة من مراحل المشروع الصهيوني. فموسكو وإن هي الآن في موقف معارض للسياسات الغربية كما كانت في العهد السوفييتي إلا أنه عندما يتعلق الأمر بأمن ووجود اسرائيل فإنها تقف في طابور الولاء والطاعة والالتزام. ولا ننسى ان موسكو كانت أول من اعترف بإنشاء «دولة اسرائيل» وإحلاله محل فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني.

ماذا سيقدم الغرب لأصدقائه العرب من ضمانات لإثبات حسن نوايا تجاههم وبأن الاتفاق مع إيران لن يكون على حساب العلاقات «التاريخية والاستراتيجية» معهم؟

بعد أيام قليلة على الاتفاق أرسلت واشنطن وزير دفاعها أشتون كارتر الى المنطقة وقال في أولى محطات جولته -إسرائيل طبعاً - إن خيار العمل العسكري لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية ما زال قائما على الرغم من اتفاق جنيف. وأضاف للصحفيين وهو في طريقه إلى إسرائيل،«إن أحد الأسباب وراء كون هذه الصفقة جيدة هو أنها لم تمنع الخيار العسكري». إنها صفقة جيدة، تزيل عنصر خطر حرج وحالة تهديد وعدم يقين في المنطقة.

أما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وكرسالة طمأنة للعرب الذين مازالوا مهتمين بالقضية فإن الاتحاد الأوروبي يريد البناء على الدور الذي لعبه إبرام اتفاق نووي مع إيران في تشكيل تحالف تدعمه الأمم المتحدة لإعادة إحياء محادثات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

وبعد مقترح فرنسي اتفق وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي على محاولة إنشاء مجموعة دعم دولية بعدما مرّ أكثر من عام على انهيار محادثات رعتها الولايات المتحدة أساسها دولة فلسطينية تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل. ويرغب الاتحاد الأوروبي في فتح الباب أمام مشاركة المزيد من الدول.

وتقول «رويترز» في تقرير لها من بروكسل ان خطة وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي تضع تصورا يشمل موافقة رسمية من مجلس الأمن على ما تطلق عليه مجموعة العمل في سبتمبر على أن يتبع ذلك قرار من مجلس الأمن لوضع أسس لاتفاق سلام.

وأحد الأسباب وراء السعي لإنشاء تحالف دولي هو الخلافات الداخلية العميقة بين دول الاتحاد الأوروبي وعددها 28 حول السياسة حيال الشرق الأوسط وهي خلافات تقيد القدرة على لعب دور نشط.

وقياسا على مشاركة روسيا والصين والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا في الاتفاق النووي مع إيران يرى دبلوماسيون ان ثمة فرصة أمام الاتحاد الأوروبي لإشراك دول أخرى غير المنضمة للجنة الرباعية الدولية التي سعت لإبرام اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني دون أن تحقق أثرا عمليا.

وبموجب مقترح الاتحاد الأوروبي قد تمنح أدوار للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وللدول الأوروبية صاحبة الاقتصاديات الأكبر وبينها إسبانيا وإيطاليا ولبلدان عربية.

وترى موجيريني التي التقت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس في مايو الماضي فرصة لدبلوماسية الاتحاد الأوروبي في غياب أي مبادرة دبلوماسية جديدة من جانب واشنطن مع قرب نهاية الولاية الثانية للرئيس باراك أوباما.

وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس صرح من جانبه ان عملية السلام (الإسرائيلية الفلسطينية) متوقفة. الموقف سيئ. على أوروبا أن تساعد الطرفين على أخذ خطوات من أجل تجاوز هذا الطريق المسدود.

لسنا متفائلين بأن المقترح الأوروبي سيؤدي الى نتائج عملية تجاه القضية الفلسطينية لعدة أسباب أولها أن من يقرر أي شأن يتعلق بالضغط على إسرائيل هي الولايات المتحدة وليس أوروبا فكم من قرار يدين ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين أجهضه الفيتو الأميركي رغم تأييد دول أوروبية. ثانيها أن لأوروبا سوابق برفع يدها عن عملية السلام.

 

* كاتب أردني