رغم أن اليونان بدا وكأنه الخاسر في مفاوضاته مع أوروبا، إلا أن الخسارة التي قد تلحق بالاتحاد الأوروبي على المدى الطويل لم تتضح حدودها بعد.
فالبرلمان اليوناني وافق على خطة تقشفية لا تختلف كثيراً عن تلك التي رفضتها حكومة تسيبراس، وأجرت الاستفتاء العام من أجل تحسين موقفها التفاوضي إزاءها. وهو ما يبدو للوهلة الأولى وكأنه بمثابة «خيانة» من حكومة تسيبراس لمؤيديه وناخبيه.
إذ ما إن رفض الشعب اليوناني في الاستفتاء الشعبي، الشروط المجحفة للسياسات التقشفية التي أصرت عليها أوروبا في مفاوضات طويلة، حتى عادت حكومة تسيبراس للتفاوض، ثم قبلت بعد أيام بتلك الشروط نفسها تقريباً. لكن ما تواتر من أنباء، وأحياناً تسريبات، في الأيام القليلة الماضية حول المفاوضات بين اليونان والمفوضية الأوروبية ببروكسل والبنك المركزي الأوروبي بفرانكفورت وصندوق النقد الدولي بواشنطن، أو ما اصطلح على تسميته بالترويكا، يقدم صورة مغايرة تماماً.
أول تلك الأنباء كان تسريب وثيقة صادرة عن صندوق النقد الدولي تقول صراحة إن الخطة التي تصر عليها المجموعة الأوروبية بقيادة ألمانيا والتي قبلتها اليونان هذا الأسبوع، وتفرض عليها حزمة سياسات مقابل القروض الجديدة «لا معنى لها ولن تحل مشكلة اليونان»، وأنه ما من سبيل لإنقاذ فعلي دون قبول أوروبا بإعفاء اليونان من بعض ديونه، واقترح الصندوق فترة سماح لمدة ثلاثين عاماً لا تطالب فيها اليونان بدفع مستحقات. وتدل تلك الوثيقة على أنه حتى صندوق النقد الذي كان قد فرض السياسات التقشفية أصلاً على اليونان منذ 2010 لديه تحفظات على الخطة الأوروبية.
وقد تزامن مع تسريب تلك الوثيقة، أن نشرت مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية هذا الأسبوع، حواراً مهماً مع وزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، والذي أدار مفاوضات بلاده مع الترويكا قبل إجراء الاستفتاء، واستقال بعده مباشرة.
فقد كشف الرجل عن الكثير من خفايا تلك المفاوضات الطويلة وما تعرضت له اليونان من ضغوط أوروبية هائلة. فهو بعد أن أوضح أن الشعب اليوناني انتخب الحكومة الحالية من أجل التفاوض مع أوروبا للتوصل لاتفاق آخر غير ذلك الذي وقعته الحكومات السابقة وتضمن سياسات تقشفية رفضها اليونانيون، قال فاروفاكيس إنه أدرك أن الطرف الآخر (أي الأوروبيين) كان «يرفض التفاوض» من الأساس. وقال إن «البنك المركزي الأوروبي كان يحد من السيولة المتاحة للبنوك اليونانية للضغط على الحكومة لتذعن للمطالب الأوروبية».
وقد شرح فاروفاكيس أنه عرض على الترويكا الاتفاق على إصلاحات ثلاثة أو أربعة يرى الطرفان أنها ضرورية لتعافي الاقتصاد اليوناني، «فنبدأ في تنفيذها فوراً بعد عرضها على البرلمان، وتقومون أنتم (أي الترويكا) في المقابل برفع القيد عن السيولة، بينما نتفاوض حول اتفاق شامل كما تريدون. لكن ردهم كان لا، لا، لا.
وأنكم (اليونانيون) إذا تجرأتم وقدمتم مثل تلك التشريعات للحصول على موافقة البرلمان سنعتبر ذلك عملاً من جانب واحد.. ولكنهم في الوقت ذاته كانوا يسربون للإعلام أننا لا نقوم بأي إصلاحات» للاقتصاد اليوناني. وأضاف الرجل أن المفاوضات استمرت حتى انتهت السيولة تماماً «فقدموا مقترحاً للصندوق، وليس لنا، كانوا يعرفون أنه مستحيل قبوله».
ولعل أخطر ما جاء في ذلك الحوار هو ما قاله فاروفاكيس حول موقف مفاوضيه الأوروبيين من إرادة الشعب اليوناني التي عبر عنها مرة بانتخاب حكومة تسيبراس لإعادة التفاوض حول برنامج التقشف، ومرة عبر الاستفتاء الذي رفض فيه البرنامج ذاته.
فهو تحدث عن رؤية وزير المالية الألماني وولفجانج شويبل تحديداً، فقال على لسانه «أنا لا أناقش البرنامج، فهو سبق أن قبلته حكومتكم السابقة ولا يمكننا أن نسمح لأي انتخابات بأن تغير أي شيء. فلأننا 19 دولة وعندنا انتخابات طوال الوقت، فلو أن كل انتخابات أدت لتغيير شيء ستصبح الاتفاقات بيننا بلا معنى». ويقول فاروفاكيس عن رد فعله حين سمع تلك الكلمات من الوزير الألماني: «نهضت واقفاً وقلت إذاً عليكم ببساطة أن تلغوا الانتخابات في الدول المدينة. ولم تكن هناك إجابة. تفسيري الوحيد هو أن رأيهم كان أنها فكرة جيدة، ولكن يصعب تنفيذها، لذلك فإما أن توقعوا على ما هو موقع عليه من قبل وإما أن ترحلوا».
والحقيقة أن تلك العبارات تحمل معاني بالغة الخطورة على مستقبل الاتحاد الأوروبي. فالاتحاد أنشئ من الأصل كما قيل وقتها لتحقيق السلام عبر الوحدة، بدلاً من تحول أوروبا لمنافسات شرسة وقوميات متناحرة. لكن يبدو أن الاتحاد الأوروبي تحول مع الوقت إلى كيان يسحب من شعوبه إرادتها.
وليس بعيداً أن تتكشف في الفترة المقبلة خفايا أخرى تتعلق بتلك المفاوضات الصعبة التي خاضها اليونان، تؤكد المعنى ذاته بما يؤثر سلباً في رؤية الأوروبيين أنفسهم لاتحادهم. لكن الأخطر من ذلك هو أن الخطة التي فرضتها أوروبا على اليونان فرضاً قد تفشل فعلاً في حل المشكلة اليونانية، الأمر الذي قد يفتح الباب واسعاً لإعادة النظر في هياكل الوحدة الأوروبية والسياسات النيوليبرالية معاً.