سأضرب صفحاً عن الشر بوصفه مشكلة ميتافيزيقية.

أُعرف الشر: بأنه كل سلوك بشري يقصد إلى إيذاء الآخر وإفساد الحياة وإشاعة السوء في المجتمع، ولهذا فالقهر والإذلال والسرقة والقتل وكل اعتداء على الإنسان مهما كان شكله ومضمونه هو شر.

وأخف أنواع الشر هو الشر الفردي، كالسرقة والاعتداء على الملكية وإهانة الفرد والقتل، لأنه من قبيل الشر الذي تضع القوانين حداً له عبر العقوبات الرادعة، بل إن هناك من يعتقد أن أصل الدولة قائم في حاجة البشر لسلطة تمنع الأفراد من ارتكاب الشر.

والحق لا معنى للدولة أصلاً دون وظيفة مواجهة الشر دون الحفاظ على الحق، وليس باستطاعة أية دولة أن تلغي سلوك الشرير إلغاء مطلقاً.

أما أسوأ أنواع الشر فهو ذاك الشر الصادر عن مؤسسة منظمة لإنتاجه وممارسته. وأسوأ أنماط مواجهة شر كهذا هو التكيف مع وجوده. لا أتحدث هنا عن الشر الصادر عن عصابات منظمة داخلية أو عابرة للحدود، بل عن ذلك الشر الذي يتخفى وراء أيديولوجيات ظاهرها خير نسبي.

فباسم الموت لأميركا والموت لإسرائيل والموت لليهود تجري عملية استباحة وطن وقتل المئات من أهل اليمن، وإن العاقل ليتساءل: ما العلاقة بين الموت لأميركا والموت لإسرائيل بمحاصرة عدن وتعز وشبوة ومأرب. وقس على ذلك كل من يختبئ وراء شعارات رنانة ويمارس أسوء أنواع الشر ألا وهو القتل.

ولكن التكيف مع الشر شر هو الآخر، وذلك اعتقاداً من المتكيفين مع الشر أنهم يقللون من جرائمه وأخطاره. ولعمري أن أمراً كهذا لا يزيد الشر إلا شراً، ذلك إن أصحاب الشر كلما وجدوا أنفسهم بمأمن من مقاومة شرهم ازدادوا شراً.

بل المجتمع نفسه الذي يسكت عن الشر الذي يمارس عليه تكيفاً سيجد نفسه في لحظة لا يستطيع معها تحمل حجم الشر الذي يرزح تحته، ولكن بعد أن يكون الشر قد انشب أظافره في جسد المجتمع وصار اقتلاعه يتطلب ثمناً باهظاً.

وبالنتيجة نقول إن مقاومة الشر أقل تكلفة بشرية ومادية بكثير من التكيف معه، وما التكيف مع الشر إلا توفير لأسباب جعله حالة مقبولة فيحطم انتشار الشر، إذ ذاك عالم القيم الإنسانية، ويصبح كالكلب المسعور والمتروك لنشر سعاره بين الناس.

وهناك نوع آخر من الشر المدمر للمعايير والذي بدوره يدمر مؤسسات المجتمع والدولة.

فمن المعروف أن الجامعة والقضاء مؤسستان فاعلتان في إنتاج النخب المحافظة على سيرورة العلم وعلى سيرورة الحق، وليس هناك الآن دولة بالمعنى الدقيق دون وجود هاتين المؤسستين وفق المعايير الأرقى لهما.

فحشو الجامعة بكادر لا علاقة له بالعلم والمعرفة والأخلاق الأكاديمية وشيوع ظاهرة الفساد فيها نوع من الشر الذي سيلقي بظله خلال أجيال على مجمل الحياة التعليمية والعلمية والمهنية، لأن الجامعة هي مصنع لإنتاج النخب، والتلاؤم مع شر كهذا يزيد من شر تدمير الصعد التي أشرنا إليها، فالطبيب والمهندس والمدرس و... و... الذين يتخرجون في جامعة جرى فيها تدمير المعايير الجامعية إنما يعودون هم ليمارسوا التدمير مرة أخرى، فالشر لا ينتج إلا الشر.

وقس على ذلك القضاء المرتبط أصلاً بالحق والحفاظ عليه وفق القانون، فمن أسوأ الشرور التي يتعرض لها الحق هو فساد أداة تحقيق الحق وتحولها إلى وسيلة لسلب الحق، والحياة مستحيلة من دون أن تكون هناك مؤسسة تحافظ على الحق بكل أشكاله.

والمتأمل بجميع الدول التي شهدت وتشهد الانتفاضات سيجد نفسه أمام دول دمرت فيها السلطات الحاكمة الجامعة والقضاء.

وأخيراً لا بد من القول إن قوة المجتمعات وتماسكها وازدهارها رهن بمنع الشر من أن يكون حالاً طبيعية، وأن تقاومه إن هو ظهر بأية صورة من الصور، لأن التكيف مع الشر يؤدي إلى الهلاك.