في وصف حال العرب

ت + ت - الحجم الطبيعي

بعد أيام يهل علينا عيد الفطر. كلما جاء العيد وبعد أن تغربت عن قريتي. أعيش قصة الترحال الذي قمت به في منتصف ستينيات القرن الماضي. ومع أن الترحال يؤدي لاستقرار. فما زلت أنتظر الترحال العكسي الذي يأخذني مرة أخرى – وربما كانت أخيرة – إلى القرية التي جئت منها.

مناسبات كثيرة أحِنُ فيها لحضن أمي وتراب قريتي ولون زرعها الأخضر، افتقدته منذ لوحت لها بمناديل الوداع وليتني ما فعلت. ليلة العيد عندما أمشي في شوارع القاهرة وحيداً وأستمع لأغنية أم كلثوم الشهيرة: يا ليلة العيد آنستينا وجددتي الأمل فينا. رغم أن الأغنية عنوانها: حبيبي يسعد أوقاته. إلا أن غناءها لليلة العيد يبعث في النفس كل معاني الشجن والحزن والأسى.

أحاول الخروج من دائرة ذاتي. والابتعاد عن همومي الصغيرة التي تأخذني من هموم كبيرة تحيط بي. أنظر إلى وطننا العربي. وأحاول استخراج صورة تذكارية في ليلة العيد. وكلمة العيد لغوياً تعني أن العيد هو ما تعود عليه الإنسان من بهجة وسرور.

أسأل نفسي: أي بهجة وأي سرور فيما يجري في العراق؟ أي بهجة وسرور في سوريا التي كنا نقول عليها بلاد الشام وعن شاطئها المتوسطي بر الشام؟ ماذا يعني مجيء العيد في اليمن الذي كان يقال عنه: السعيد؟ لدرجة أن اليمن السعيد يوشك أن تشكل كلمة واحدة. ثم ماذا يعني العيد في ليبيا الشقيقة؟

يصل العيد للأشقاء. ومن المستحيل أن يشعر الإنسان ببهجة العيد. لن يرتدي الأطفال في القرى الملابس الجديدة. ولن يقضوا ليلة العيد في السهر ما بين الترزي الذي يفصل لكل منهم جلباب العيد ثم يذهبون إلى صانع الأحذية لكى يتسلم كل منهم حذاء العيد. فما إن يهل صباح العيد ويسمعون التكبيرات من فوق المساجد حتى يذهب كل طفل ماسكاً بيد والده ليدخل المسجد بأُبهة ملابس العيد حتى يراها أهل القرية. لا أعرف تقاليد الأعياد في ريف العراق.

لكن عراق الأمس غير عراق اليوم. هذا إن كان ثمة عراق في هذه الأيام. لكن القطر العربي الذي اجتمعت فيه معجزة البترول والمياه العذبة والأرض الحمراء من كثرة الخصوبة. والتقت على أرضه عبقرية الزراعة والصناعة. يبدو الآن مهدداً بكل ما يمكن أن تهدد به الأوطان. مهدداً بوحدته. بكيانه. بوجدان أهله. هجره من استطاع الهجرة. وبقي فيه من أقعدته ظروفه ولم تمكنه من الفرار.

أما بلاد الشام التي تهت في جمال ريفها. رأيت معجزة الفقر والنظافة وتحويل كل ما في الحياة إلى شيء جميل تحب أن تحياه. في هذه البلاد ما يستحق أن نحيا لأجله. وأن نواصل الحياة لنراه في نموه وازدهاره. لكن ما تحمله لنا الأخبار عما يجري هناك لا يخرج عن الدماء والأشلاء والتدمير والحرق. أمورٌ يسمعها العالم عنا. وأنظر حولي مستغرباً كيف تحدث من فريق ينتمي إلينا؟ نساء تباع علناً للمتعة رغم أننا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. رجال يموتون غلياً في المياه التي تتعدى درجة الغليان. عيونٌ تُخلع من بشر أحياء لكى يعيشوا في الدنيا باعتبارها ظلاماً أبدياً.

الأمة التي تفننت في صناعة الحياة. وتحويل الحياة كرحلة مليئة بكل ما هو جميل وعذب. أصبح لا ينقل عنها من أخبار إلا كل ما يهدد استمرار الحياة. زرت اليمن عندما كان سعيداً. ورحلت من صنعاء إلى تعز. مسلحاً بعبارة قالها لي نجيب محفوظ: لا حد لجمال أعين نساء تعز. فاليمن كان القطر الوحيد الذي زاره نجيب محفوظ بقرار من المشير عبدالحكيم عامر. عندما كان جيشنا هناك. ينصر ثورة أهل اليمن على حكم العصور الوسطى.

قضيت أياماً في ليبيا. ورأيت الشوارع الخالية من الناس. وحسدتهم على أنهم يعيشون في بلدان مغسولة من الزحام والضوضاء. وأنهم لم يعرفوا مجتمعاً يدوس المشاة على أقدام بعضهم البعض من شدة الزحام. قال لي بعضهم إنه يشعر بالملل من هذا الواقع. ويحن لضجيج مصر وصخبها. قلت لهم إنني أحسدهم على الهدوء الذي يخترق المسافة ما بين الليل والنهار. أقضي الليالي مستمعاً للراديو. أتنقل من محطة لأخرى. أحاول أن أصل إلى هذه الأماكن بعين الخيال. وأن أرى من يعانون هناك. ونحن نستمتع بحياتنا. نغرق في سحر البرجوازية الخفي. نكتفي بمصمصة الشفاة ومشاركتهم ما يمرون به من أهوال بأن نقول لأنفسنا في ليلنا الذي بلا نهاية: نحن نتألم لما يجري لكم. ونشارككم مآسيكم بالتضامن الإنساني. وهل المشاركة والتضامن من الأمور القليلة في هذا الزمان؟

تاهت من وجداني أحلام الأمل في أن أصحو ذات صباح لأجد حولي وطناً عربياً أنا الذي يهاجمونني باعتباري ابن الحلم القومي العربي الذي يرفض أن يكفر به. ويعتبر أن الوصول له هو الخلاص الأخير لنا من كل ما نعانيه. لكني عندما أجالسهم وأستمع لكلام هؤلاء الذين يعيشون في الضفة الأخرى من عالمنا. وأفكر أن أرد عليهم فلا أجد بداخلي الرغبة في مجرد الكلام.

طباعة Email