إذا لم تكن معلومة أنه، رحمه الله تعالى، كان يجيد تسع لغات عالمية من بينها اللغة العبرية، كافية لكي تعرف طبيعة عمل المغفور له بإذن الله، سمو الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية، طيلة أربعة عقود مضت، فلربما يكفيك أن تعرف أنه حين أشرف على بناء المقر الجديد لوزارة خارجية المملكة في الرياض عام 1979، خصص أربعة طوابق كاملة... لمكتبة الوزارة!

ولا يأتي لقب «وزير خارجية العرب» من باب المجاملة، ذلك أن من يتابع مواقف الفقيد الكبير على مدار الأربعين سنة في موقعه وزيراً لخارجية المملكة العربية السعودية الشقيقة، يلحظ بما لا يدع مجالاً للشك، أن الرجل كان يحمل هموم أمته إلى كل المحافل الدولية، حتى إنه في بعض الحالات كان يدافع عن بعض القضايا العربية كما لو كانت قضية سعودية أو لو كان هو وزير خارجية البلد المعني. وخذ مثلاً، مواقفه من احتلال الجزر الإماراتية أو غزو الكويت، أو الحرب العراقية الإيرانية أو عاصفة الحزم، ناهيك عن القضية المركزية للأمة، قضية فلسطين، وغير ذلك الكثير.

واليوم، حين نرثى رحيل صاحب السمو الملكي، الأمير سعود بن فيصل بن عبد العزيز، رحمه الله، فإنما نرثى رجلاً من معدن فريد من نوعه، أعطى الدبلوماسية كمهنة، مواصفات الفن، حتى أصبحت اليوم صورة «سعود الفيصل» كدبلوماسي، تضاهي صور عظماء الدبلوماسية المعاصرة في العالم، من نوعية هنري كيسنغر وهانز ديتريتش غينشر وجيمس كالاهان وأندريه غروميكو وغيرهم. ولذلك، تصدق كثيراً العبارة البليغة التي قالها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، بأن مَن وصف الأمير سعود الفيصل بأنه «كيسنغر السياسة العربية» قد ظلمه، فهو «سعود السياسة العربية»، وسعود السياسة الدولية، لأن مدرسته تفردت وتميزت، ولم تكن استنساخاً ولا تقليداً لمدارس الآخرين.

ومن يتابعون هذه المدرسة، يستوقفهم، على سبيل المثال، طريقته الفريدة في اختيار سفراء نجوم ومؤثرين في مختلف عواصم العالم، حسب ضرورات العمل. ولعل أسماء من نوعية علي حسن الشاعر، وجميل الحجيلان وعزيز خوجة وغازي القصيبي وفؤاد مفتي وغيرهم، تسجل في سفر نجاحات سعود الفيصل، الذي مثلما أجاد ممارسة الدبلوماسية من موقعه الوزاري، فقد أبدع أيضاً في صناعة فريقه العامل معه، إن في الوزارة أو في سفارات المملكة على وجه البسيطة.

وإذا كان وزير الخارجية ليس الصانع الوحيد لسياسة بلاده في الشؤون الدولية، فإنه على أي حال وجهها الأبرز والمتحدث باسمها في المحافل الدولية، لكن الأمير سعود الفيصل، رحمه الله، خطا بهذا الدور خطوات كبيرة إلى الأمام، باتجاه رسم صورة السعودية، ليس فقط في أذهان السياسيين ونظرائه من وزراء الخارجية، بل وحتى المواطن العادي. فالأمير الذي تخرج في الجامعات الأميركية وأجاد عدداً من لغات التخاطب المؤثرة إعلامياً، أجاد أيضاً لغة التواصل الفعال مع المتلقي العادي، الذي سيذهب إلى صناديق الاقتراع ليختار هذا السياسي أو ذاك.

على الصعيد العربي، كان «سعود الفيصل» أكثر من مجرد وزير خارجية دولة شقيقة، ولعل المرات العديدة التي ترأس فيها وفوداً عربية مشتركة، مثل اللجنة الوزارية العربية التي اجتمعت مع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، واللجنة الوزارية العربية التي أقنعت الرئيس العراقي السابق صدام حسين بقبول وقف إطلاق النار، بعد استسلام الجانب الإيراني عام 1988، كان في كل ذلك ممثلاً لاحتياجات أمة ومصالحها بعباءة وزير خارجية سعودي.

وتنقل المصادر عن صدام حسين، وصفاً دقيقاً لسعود الفيصل، من أنه حشد العالم لتأييده أثناء الحرب مع إيران، ثم حشد العالم «نفسه» ضده حين غزا الكويت، وبغض النظر عن صحة العبارة، إلا أن معناها سليم تماماً، لأن ديدن عمل الأمير الراحل، كان الحق، وهذا هو سر مهم لفهم الدبلوماسية السعودية التي أدارها باقتدار ونجاح وكفاءة.

ومن ينظر في طبيعة الحضور العربي في جنازة سموه، وتصريحات العشرات من وزراء الخارجية الذين عاصروه، يستطيع أن يفهم أي رجل كان في نظر أشقائه. فمشاركة صاحب السمو أمير الكويت، مثلاً، تتجاوز العلاقة الحميمية بين البلدين الشقيقين، إلى خصوصية العلاقة التي ربطت بين صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد، والأمير الراحل، لقرابة ربع قرن كوزيري خارجية، ولإدراك صباح الكويت، حجم وطبيعة جهود سعود الفيصل أثناء غزو الكويت وبعد تحريرها.

أما الإمارات، فقد أرسلت رسالة وفاء استثنائية، حيث أرسلت وفداً برئاسة سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الغربية، والذي زامل المرحوم سنوات عدة من موقعه نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الخارجية، حيث ضم الوفد وزراء الخارجية الحاليين والسابقين الذين زاملوا المرحوم، في لفتة مهمة، تقول للرجل باسم الإمارات، شكراً لجهودك الأخوية الكريمة لتمتين وتعزيز العلاقات الوثيقة بين البلدين الشقيقين.

ونحن نستذكر له في الإمارات الكثير، خصوصاً أن الأمير سعود الفيصل، رحمه الله، كان السند الأساسي والعضد الرئيس لجهود الإمارات الدبلوماسية في مختلف المحافل العالمية، وخصوصاً في ما يتصل بقضية جزرنا المحتلة، وأية مسائل أخرى تحتاج الدولة فيها لتعاضد أشقائها. كان الأمير سعود الفيصل محل ثقة دائمة من قيادة الدولة، لمعرفتهم بمكانة الإمارات لدى القيادة السعودية ولديه، ولذلك لم يكن غريباً أن تسارع كل قيادات دولة الإمارات للتعزية بوفاته فور الإعلان الرسمي مساء الخميس.

ولعل كلمات سيدي سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، رئيس المجلس التنفيذي، في رثاء سمو الأمير سعود الفيصل، تلخص مشاعرنا كإماراتيين، وتعبر عن تعاطفنا مع أشقائنا السعوديين في مصابهم الجلل:

عشت بحياتك عن ذرا دارك تذود

                         والموت حـق ووعـد ما هو بـيـدينا

الله يغـفر لك ويرحـمك يا سعــود

                         مـدري نعـّــــزي أو يُعـــزّا علينـا؟!