يُروى أن رجلاً عضّه ثعلب، فذهب لراقٍ ليُعالجه، فسأله عمّ عضّه، فخجل أن يقول ثعلباً و«يروح البرستيج»، فأخبره أنها عضّة أسدٍ قبل أن يقتله، وما إن بدأ الراقي بقراءة رُقيته على يد الرجل حتى بدأ الرجل يخشى ألا تُعالجه الرقية الخطأ، فقال على استحياء: واخلط بها شيئاً من رُقية الثعالب!

مهما تظاهر البعض بالمثالية، فلا أن تجد الحقيقة طريقها للخروج وإنْ طال الأمد، والأكذوبة أشدُّ من يعرف هشاشتها هو صاحبها مهما زخرفها، وتعرف حقيقة الإنسان بفورة حماسه وسرعة اهتياجه تجاه موضوعٍ ما، فما لا يمثل قيمةً كبيرة لديه، لا يمكن أن يُشعل من أجله حرباً، أو يعمد إلى تجميع المناصرين للدفاع عنه، وكلما استغل الأوضاع المغلوطة أو أزمات الواقع الاستثنائية لتمرير أفكاره، كانت تلك الأفكار مما لا يقوى على الوقوف بنفسه، ويحتاج لمُمَرِّر حتى تستطيع أن تتماسك على تهافتها!

ابتلينا بداعش وشبهاء داعش من الطرف الآخر، فالأولى دموية الفكر، همجية السلوك، لا تعترف بأحقية الآخر في الوجود أصلاً، فتقوم بإرساله للدار الآخرة بسكينٍ باردة، أو رصاصة حقيرة، أو قميصٍ ناسفٍ غادر، ومهما انطلت خديعتها على البعض، فإنّ العاقل يعرف من أين نشأت نبتتها الخبيثة، ابحث عن المستفيد، تجد صاحبها أو أصحابها المختبئين خلف عبارات التنديد والتهديد، لضمان انطلاء التمثيلية على العالم، فبعد أن أوجدوا القاعدة، بهدف تصوير المسلم كقاتل محتمل، ليمرّروا خطط الفتك ببلدان المسلمين وقتلهم وتشريدهم، بعد أن أُلغيَت إنسانيتهم، أوجدوا عصابات داعش كبديل للقاعدة، والتي كان لا بد أن تختفي، بعد تساؤل الرأي العام الأميركي تحديداً عن جدوى التريليونات التي أُنفقت من أجل مقاتلين بسطاء يختبئون في الكهوف، فأتت داعش بدموية غير مسبوقة، وهي تزيّن خلفياتها «دوماً» براية محمد صلى الله عليه وسلم، وتنتقي فتاوى مبتورة لتزعزع ثقة المسلمين البسطاء في حقيقة دينهم السمح!

شبهاء داعش، بدورهم، يتقمصون دوري التنويري المتحرّر والمحب للحياة والساعي لمد غصن زيتون، أو ربما بقدونس للآخر، هذا الآخر، يُشتَرط فيه ألا نكون نحن ممن لا يقبل المساومة على دينه ولا يرضى أن تُعلّق خطايا الآخرين على شماعته، فأصابع شبهاء داعش، تُصابُ بالحَوَل«المتعمّد» كلما حدث تخريب هنا أو تفجير هناك، فهم لا يرون سوانا ولا يجدون سبباً سوى موروثنا الشرعي، ولا مؤلباً عدا مناهجنا الدراسية، وهم كلما أفدحوا في الحطّ من مخالفيهم، اشرأبت أعناقهم بحثاً عن مديح من حساب مشبوه، أو تصفيق من عينين أكثر شُبهَة، هؤلاء لا يريدون الإتيان بفكر الآخر الذي يُقدّسونه ويتمسحون بأعتابه فقط، بل أن يكون ذلك مقابل إلغاء هوية المجتمع وأصالته وموروثه النقي، طبعاً بعضهم «تحمّس حبتين» فأخذ «اللفة» الخطأ ورجع U Turn، لنجده يريد طمس هويتنا ومذهبنا الناصع فكراً وتناغماً مع من حولنا لنرتدي مُسوح الطُرُق الصوفية والمتبركين بالأولياء والمتمسحين بالقبور ومن يعطون بيعتهم للولي أو القطب أو الوتد أو الغوث «يعني أنت ومستواك لمن تبايع»!

مذهبنا الديني ومناهجنا الدراسية ومنظومتنا الأخلاقية والسلوكية، أخرجت لنا زايد وإخوانه، وحكامنا الكرام الذين يحنون علينا حنوّ الأب على ابنه الأوحد، وأخرجت لنا أُلوفاً مؤلفة من الشباب والشابات الذين صنعوا طفرةً غير مسبوقة لبلادنا، وفي زمن لا يكاد يُصدَّق لِقِصَرِه، وكان الشاهد على ذلك مسوحات الآخر الذي يُمجّدونه، وتقاريره ومؤشراته التنموية التي تربعت دولتنا مراكزها المتقدمة من كفاءة تنافسية وتميّز حضاري ونمو اقتصادي وتنمية بشرية وسعادة مجتمع بكافة أطيافه، والتي تربو على أكثر من 200 جنسية، فعن أي جمود وتحجّر ورفضٍ للآخر يتحدث عنه شانئونا؟ هل يعيشون فعلاً بيننا، أم هم قابعون في قرى تحكمها طالبان أو بوكو حرام، فأخطؤوا توجيه أصابع اتهامهم؟

إنّ رؤوس الفتنة تُعرَف عندما تكون بلادك على محك ومنعطف تاريخي خطير أمام قوى الظلام، ثم ترى من يعمد إلى الإساءة لشقيقك وحليفك، والطعن في مرتكزاته التاريخية أو المذهبية دون سبب، والتطاول بالسخرية على كبار رجال العلم لديه، ليس قدرةً على نقد علمهم، فهو أصغر من أن يصل لذلك المقام، ولكن تشفياً بابتلاء المولى له بحرمان نعمة البصر واستعاضته عنها بنعمة البصيرة لاختلاف مشربه عن مشربه!

هؤلاء الثائرون و«المتحرطمون» على صفحات التواصل الاجتماعي، والذين تخلو سيرهم الذاتية من أي إضافة خلقوها لبلادهم أو مجتمعاتهم، ولم يُعرَفوا سوى بالإساءات لإخوانهم والطعن في شريعة الأمة، والحط من قدر علماء سلفها الكرام، يُفسِّر سبب هذا التوجه الذي يسلكون، هنري ديفيد ثورو الفيلسوف الأميركي بقوله: «عندما يشكو المرء شيئاً، يحول بينه وبين قيامه بواجباته، حتى عندما يجد ألماً في معدته، فإنه يبادر إلى محاولة إصلاح العالم»، وحسناً فعلت دولتنا الحبيبة، عندما منعت أحد من يدندنون بأقواله ممن يتسمّى زوراً بـ «الداعية الإسلامي»، من الدخول لترابها الطاهر، بعد أن وصلت وقاحته لشتم الصحابة الأطهار، فمثل هذا من يوقد فتيل التطرف، ويشعل أوار الانشقاق والطائفية.

دولتنا، وبفضل الله، وحكمة ونقاء قيادتها، درجت على الجمع بين القديم النافع والجديد الصالح، واشتد عودها على الانفتاح على العالم دون الذوبان فيه، فتقبّلت الحضارة، واستوعبت المدنية، دون أن تفقد هويتها وأصالتها، وفي خضم تدافع عالمي محموم للتنافس على الأسواق والموارد، لم تفقد دولتنا «إنسانيتها»، فتصدّرت قائمة دول العالم في المساعدات الإنسانية والبرامج الإغاثية، كانت طاهرة وبقيت وستبقى، وكانت متماسكة الداخل، وستبقى بعون الله، أما داعش وشبهاؤها، فلن يحجبوا عنها نور الصباح، مهما حاولوا ومهما جرّبوا من رُقى الثعالب!