لا يمل الأوروبيون من كثرة ابتكار مقترحات ومداخلات، توحى بأنهم جادون في محاولة ملء الفراغ الذي تحاور فيه التسوية الفلسطينية، فمنذ أن دخلت هذه العملية في حالة من التيه في ربيع 2014، لم يعرف عن أطراف دولية وازنة أنها أظهرت حرصاً على استئناف جهود التسوية أو الإبقاء على ديمومتها ووجودها ولو صورياً، مثلما فعلت العواصم الأوروبية.

يشهد بصحة هذه الملاحظة، الاعترافات الأوروبية البرلمانية المتوالية بالدولة الفلسطينية غداة توقف المفاوضات، والجدل المحتدم أوروبياً بشأن توسيع أنماط مقاطعة إسرائيل الدولة اقتصادياً ومالياً وأكاديمياً وسياحياً.. وقبل هذا وبعده، هناك الحديث المكثف عن مشروع فرنسي لاستئناف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، يجرى إعداده على مهل مع التأمل في فرص مروره من خلال قرار لمجلس الأمن.

ولعل آخر «الفتوحات والفيوضات» في هذا المضمار، الفكرة التي عرضها الرئيس القبرصي نيكوس انستاسياس وقوامها «.. دعوة بنيامين نتنياهو ومحمود عباس لإلقاء خطابين أمام قادة الاتحاد الأوروبي خلال أحد اجتماعاتهم في الأشهر المقبلة».

يعلل الرئيس القبرصي فكرته، بأن التقارير التي يتلقاها الأوروبيون تمر عبر مصافي وزراء الخارجية الذين يزورون إسرائيل ودول الشرق الأوسط، وينقلون انطباعاتهم. وهو يرى أنه من الأنسب أن يحضر نتنياهو وعباس بنفسيهما لبسط موقفيهما مباشرة.

لا يخرج المعنى الكامن وراء هذا الطرح عن الاعتقاد بوجود سوء فهم لدى الأوروبيين عن رؤى الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للتسوية، وأن الاستماع إليهما مباشرة »، سوف يسهم في تحريك عملية السلام.

والظاهر أن الرئيس القبرصي مقتنع بفكرته «اللوذعية»، لدرجة أنه عرضها بالفعل على كل من نتنياهو وعباس، وكذا على رئيس الاتحاد الأوروبي الحالي دونالد توسك (رئيس وزراء بولندا السابق؛ المعروف بصداقته لنتنياهو!)، وعلى مفوضية الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي فدريكا موغرينى.

ندرك أن الأوروبيين يعانون ويشعرون بالحرج من استمرارية المعضلة الفلسطينية، فهم جميعاً على دراية بظلامة الشعب الفلسطيني، وبدورهم التاريخي في إحداثها..

كما ندرك أنهم باتوا أكثر اقتناعاً بضرورة المساهمة في تمرير حل الدولتين، لكنهم حائرون بين التعاطف المتنامي مع الفلسطينيين والرغبة في الوصول إلى التسوية، وبين ما تفرضه عليهم الصلة العضوية المتجذرة القديمة مع إسرائيل، وبين صعوبة كسر الاحتكار الأميركي لقضية التسوية، كما نعرف أن الأوروبيين موسومون بالتواطؤ مع واشنطن، والتغطية على مماطلتها في إنجاز التسوية، بإجراء تحركات شكلية على طريقة محلك سر.

نعرف ذلك كله ونحوه، لكن الطرح القبرصي يبدو خارقاً للعادة لجهة بساطته وسطحيته وصعوبة فهمه. وقد لا يبالغ من يعتقد أن هذا العرض يمثل قفزة في الهواء؛ لا هم له سوى استهلاك الوقت وشغل المعنيين بما لا طائل من ورائه. كيف لا والرئيس القبرصي يصرح بأنه يمكن لنتنياهو وعباس الحديث في بروكسل «خلال الأشهر المقبلة» الوقت هنا يقاس بالشهور ولا وزن له!

هذا مع أن الرهان الإسرائيلي الأساسي يقوم على هدف استخدام الوقت في اقتطاع أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية بالاستيطان، وتجريد الفلسطينيين من مظاهر القوة وتجريف أبنيتهم ومؤسساتهم من أسباب الفاعلية، وتحويلهم إلى مجرد موجودات ومقيمين لا يمكنهم صناعة دولة خاصة بهم.

يتأتى رمي المقترح القبرصي بالسذاجة، وقد يكون أقرب إلى التساذج، من كون الموقفان الإسرائيلي والفلسطيني ملء السمع والبصر، فقبل خطابيهم المنتظرين «خلال الشهور المقبلة» في حضرة السادة الأوروبيين في بروكسل، هناك خطابات نتنياهو وعباس المطولة والضافية حول موقفيهما في محافل دولية أخرى كالجمعية العامة للأمم المتحدة. ألا يمكن الاستعاضة بهذه الخطابات المباشرة عن العروض المطلوبة أثناء زيارة بروكسل؟

أو بعد كل ما جرى من توضيحات، خلال ربع قرن من جهود التسوية، وبعد المعلومات المتراكمة أكواماً حول الموقفين الفلسطيني والإسرائيلي أمام الأوروبيين، عبر صلاتهم الرئاسية والوزارية والدبلوماسية والقنصلية وعضويتهم في الرباعية الدولية والتقارير الصحفية والتجسسية الاستخبارية وغيرها، هل بقي هناك ما يجهله الأوروبيون حول فروض إنجاز التسوية، بما يقتضى مثول نتنياهو و«أبو مازن» أمامهم في بروكسل؟! ألا تعد خطوة من هذا القبيل بمثابة حراثة في البحر؟!

هناك تحركات في دنيا العلاقات الدولية، تجبر المتابع إجبارا على الاعتقاد بصحة ما تسمى نظرية المؤامرة.